سوريا بعد سقوط الأسد… بين إرث الاستبداد وتعثُّر التحوُّل الديمقراطي

سوريا بعد سقوط الأسد… بين إرث الاستبداد وتعثُّر التحوُّل الديمقراطي

الدكتور: كاميران حاج عبدو

مضى عام على سقوط نظام الأسد، وهو الحدث الذي اعتبرته شريحة واسعة من السوريين منعطفاً تاريخياً يُفترض أن يفتح الطريق نحو الحرية والكرامة وبناء دولة المواطنة. إلا أن الواقع الذي أعقب هذا السقوط كشف عمق التعقيدات البنيوية التي حالت دون الانتقال السريع نحو نظام ديمقراطي قادر على استيعاب التعدد القومي والديني في البلاد. فقد تركت عقودُ الاستبداد مؤسسات متهالكة وبنية اجتماعية ممزّقة تفتقر إلى ثقافة سياسية جامعة، كما قوّضت الثقة بين المكوّنات السورية المختلفة عبر سياسات الإقصاء والتمييز وإخضاع المجالين الاقتصادي والاجتماعي لمنطق الولاء.

إن الانهيار المفاجئ للنظام المركزي لم يكشف فقط هشاشة الدولة السورية، بل أظهر بكلِّ وضوحٍ الفراغ المؤسساتي العميق الذي أعاق إعادة بناء منظومة حكم حديثة. وبعد مرور عام على هذا التحوُّل، مازال السوريون عاجزين عن التوصل إلى عقد اجتماعي جديد يقوم على الاعتراف بالتعدُّدية القومية والدينية بوصفها سمةً بنيويةً للدولة السورية، لا بوصفها تهديداً لوحدتها. فالتعدُّد الذي كان يمكن أن يشكّل مصدرَ ثراء ودافعاً نحو التحديث السياسي، تحول — في غياب عملية سياسية وطنية — إلى ساحة توترات وهواجس متبادلة، تراكمت بفعل الجراح العميقة والصراعات المعقدة، سواءً أكانت نتيجة للقمع والاضطهاد الذي مارسه نظام البعث لعقود، أم للحرب الأهلية التي عمّقت الانقسامات داخل المجتمع السوري.

وقد تفاقمت هذه الأزمة بفعل التدخُّلات الإقليمية والدولية، إذ غدت سوريا ساحة تتقاطع فيها مشاريع نفوذ إقليمية ودولية -عسكرية وسياسية واقتصادية- تسعى كل منها إلى ترسيخ حضورها أو الحدّ من توسُّع خصومها. ونتيجة لذلك، أصبح أيُّ توافق داخلي رهينة لمعادلات خارجية، وتحول الصراع السوري إلى حالة معقّدة يصعب فيها بناء مشروع وطني مستقل في ظل تداخل المصالح واصطدامها.
ويُعد غياب رؤية موحّدة لسوريا المستقبل من أبرز المعضلات التي تعيق عملية الانتقال السياسي. فالديمقراطية ليست مجرّد نص دستوري أو آلية انتخابية، بل هي ثقافة تستند إلى الاعتراف بالتنوع وقبول الاختلاف والالتزام بالمساواة بين المواطنين والمكوّنات المختلفة. ومع ذلك، لا تزال هذه الأسس موضع خلاف، إذ تخشى بعض المكوّنات من هيمنة «الأغلبية» التي ما زال بعض أطرافها يتعاملون بمنطق عدائي تجاه العلويين والدروز والمسيحيين، ناهيك عن خطاب الكراهية والوعيد الذي يزداد يوماً بعد يوم تجاه الكُرد، بينما يرى آخرون أن المطالب القومية أو الدينية قد تُضعف أسس الدولة. وتسهم هذه المخاوف في استمرار الانقسام وإعاقة بلورة رؤية سياسية جامعة.
إن التعدُّد القومي والديني في سوريا، الذي كان ينبغي أن يشكّل ركيزةً لإثراء الحياة السياسية والاجتماعية، تحوّل بفعل المركزية الصارمة وسياسات الإقصاء إلى مصدر توترات وهواجس متبادلة. ومع غياب مؤسسات دولة مستقلة ومترسّخة، وغياب الثقافة الديمقراطية واحترام التعددية، ومع تداخُل المصالح الإقليمية والدولية، أضحى المشهد السوري أكثر تعقيداً من أن يُدار ضمن الأطر التقليدية للدولة المركزية. ومن هنا تبرز أهمية إعادة التفكير في شكل الدولة وهويتها وآليات الحكم فيها، ولا سيما في ضوء الحاجة إلى نموذج سياسي قادر على استيعاب التعدُّدية وضمان الشراكة المتساوية بين جميع المكونات.
في هذا السياق، تبدو إعادة إنتاج نموذج الدولة المركزية التي حكمت سوريا لعقود أمراً غير قابل للاستمرار. فقد أثبتت التجربة التاريخية أن المركزية الصارمة كانت إحدى الأسباب الرئيسية لاحتكار السلطة وتهميش المكوّنات القومية والدينية، وأنها شكّلت بيئة خصبة لاندلاع النزاعات والانفجارات الاجتماعية والسياسية. لذلك، فإن مقاربة جديدة لبناء الدولة تبدو ضرورة مُلحّة، على أن تتجاوز منطق الغلبة وتستند إلى مبدأ الشراكة الفعلية بين جميع المكونات، وهو ما يجعل طرح الفيدرالية خياراً واقعياً وقابلاً للتطبيق، لا مجرد رؤية نظرية.

وتستمد الفيدرالية مشروعيتها في الحالة السورية من كونها إطاراً سياسياً قادراً على إدارة التعددية ضمن دولة واحدة موحدة. فهي لا تعني مطلقاً التقسيم، ولا تقوم على منطق الانفصال، بل ترتكز على توزيعٍ متوازنٍ للسلطات بين الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية، بما يضمن مشاركة حقيقية للمكوّنات المختلفة في إدارة شؤونها الثقافية والاقتصادية والسياسية، ويمنع في الوقت نفسه احتكار السلطة أو إعادة إنتاج الاستبداد المركزي. كما تتيح الفيدرالية بناء اتحاد اختياري يستندُ إلى الاعتراف المتبادل، ويعزّز استدامة الدولة، ويجعل الانتماء السياسي قائماً على المواطنة والشراكة، لا على الخضوع أو الهيمنة.
وعلى هذا الأساس، يحتاج السوريون اليوم إلى إطلاق حوار وطني شامل يتجاوز لغة التخوين، ويؤسّس لعقد اجتماعي يعترف بالتعدُّدية، ويحفظ الحقوق القومية والثقافية والسياسية لجميع المكوّنات. كما يتطلّب الأمرُ بناءَ مؤسسات دولة حيادية تقوم على سيادة القانون واستقلال القضاء، وإطلاق عملية مصالحة مجتمعية تعالج آثار الحرب والانقسامات العميقة، وصياغة رؤية اقتصادية وتنموية تعيد الثقة بين المواطن والدولة، وتضمن توزيعاً عادلاً للثروة. فإعادة بناء سوريا لا يمكن أن تتم فوق ركام الذاكرة المؤلمة دون مواجهة هذه الذاكرة ومعالجتها بجرأة ومسؤولية.
إن سقوط النظام شكَّل خطوة أولى في مسار أطول بكثير من مجرد إسقاط الاستبداد. فالديمقراطية ليست مجرد شعار يُرفع أو خطاب يُلقى، بل هي مسار تاريخي يتطلب الاعتراف المتبادل، وقبول التنوع، والالتزام الجماعي ببناء وطن يتسع للجميع. ولعل الدرس الأبرز من التجربة الراهنة هو أن سوريا لن تستقر إلا كدولة اتحادية ديمقراطية، قائمة على شراكة طوعية بين مكوّناتها، لا على هيمنة مركزية تُعيد إنتاج أخطاء الماضي.