عشاء يُقدّم للموتى

عشاء يُقدّم للموتى

صالح محمود

هل للموتى تقدم الوجبات؟ هل عالم الموتى يشبه عالم الأحياء بضجيجه وحركته ومتطلباته؟ تصوروا أن تُفرش لموتى راقدين في قبورهم ولائم يُدعون الى تناولها! أليس هذا بالأمر الغريب؟
أليس في هذه المقابر المنتشرة في أرجاء المعمورة من مات جوعاً
ألمثل هؤلاء يقدم العشاء، وتقام الولائم؟
ألا يستحق هؤلاء منا أن نتذكرهم في ليالينا المظلمة والباردة، ونحيي ذكراهم وسيرتهم بأمر ما؟ العشاء الذي يقدم للموتى عشاء مختلف وغريب قد يكون بعض الأصوات الخافتة في ظلام دامس من قلوب دافئة، قد يكون بعض النور أو هو عشاء هلامي محاط ومحفوف بدعوات من الرحمة والمغفرة بأرواحهم الحية ولأجسادهم التي واراها الثرى، هذا العشاء من المستحيل أن يكون عاديًا!
العشاء الذي يقدم لأجساد هلامية متفتته قد واراها الثرى وربما انحلت فيه وغابت هو مجموعة كلمات تخرج همساً من أفواهٍ حزينةٍ لقلوبٍ مكلومةٍ يملؤها الحزن والأمل بالغفران والرحمة، أليس بين الموتى من قُطعت له الوعود، وقُدمت له الدعوات لحضور مناسبة سعيدة او عشاء سار لكن قدوم الموت المفاجئ لم يسمح لهم بتلبية تلك الدعوات؟
لقد حال الموت الكالح وهادم اللذات بينهم وبين وعودهم وتلبية دعوات قدمت لهم، وحرموا منها، وهل كل الذين ماتوا رحلوا وقد شبعت بطونهم؟
ألا يوجد بين قتلى الحروب جنوداً ماتوا وبطونهم فارغة؟ أليس في رحم المآسي أطفال أبرياء ماتوا جوعاً من الحصار ومن لظى الحرب، العشاء الذي يقدم للموتى هو عشاء متأخر هو ربيع متأخر، هو عشاء يُقدّم لأناس صامتين لايقوون على الحركة، عشاء قد يعلوه الغبار ويحوم فوقه الذباب .
إذا كان كتلك العشاوات التي تقدم للأحياء، تقديم الأطعمة والوجبات هي عادة حاضرة في منطق الأحياء، أمّا الأموات فمنطقهم مختلف تماماً، فأجسادهم ولحومهم هي وجبات لدود الأرض، ولكن مع ذلك لابدَّ من طريقة للتواصل مع الموتى لأن الفراق أمر لا يقبله العقل، كثير من المشاعر فينا خمدت وذَبُلت لقد ماتت أجزاء منا وبتنا أحياء أمواتاً،.".إن موت أي انسان يجعلني اتضاءل لأن رحاب الانسانية يضمّني ". قالها
جون دون الشاعر الانكليزي.
والموت هو مشكلة للأحياء بالدرجة الأولى، وليس للأموات، فالموتى يرحلون، والأحياء يتعذبون، وبعض الأموات أفكارهم ومواقفهم حية أكثر من أشيائنا نحن الأحياء وهكذا تصبح الأمور متداخلة، فالذين دُفنوا تحت الثرى والتراب لم يدفنوا كلياً بل بقيت أجزاء منهم حية ومستمرة، هناك بعض الأمور سرمدية لا تموت، الأفكار والمواقف الجميلة صامدة تقاوم الموت، وتأبى أن تكون إلا حية ،" إننا نموت بشكل متجزئ، يموت الفرح، تموت الذاكرة، تنحني الأشواق، ندخل في الرتابة، ثم ننسحب...نشيخ بسرعة وبشكل مذهل،شيءما يتآكل يومياً في داخلنا ولانشعر."
الموت متداخل ومشتبك مع الحياة، والحياة تأخذ وتستمد قيمتها من الموت والمسألة معقدة أكثر مما نتصور".إنّنا لم نعرف شيئاً حتى الآن عن الحياة، فكيف نعرف عن الموت! " قالها كونفوشيوس منذ زمنٍ بعيدٍ، "الموت مكنسة الله"، الإنسان لايموت كله، الجانب المادي فيه وحده يُـتلف وتبقى فيه جوانب روحية لا تموت، والمشكلة إن البشر ومنذ فجر التاريخ لايستطيعون التواصل مع موتاهم.
وهنا تكمن المعضلة الكبرى، هم فقط يحزنون لرحيلهم، ويبكون على فقدانهم لأنهم لايقوون على التواصل معهم وهذا جوهر الأمر، والمصاب الكبير هو في فقدان الاتصال بين شخص بقي بجسده وروحه وشخص آخر رحل بجسده وبقيت روحه معنا ومرافقة لقلوبنا وعقولنا..ففي نسيج تفكيرنا وشرايين قلوبنا يسكن الراحلون عنا. مملكة الأموات خالية من العبودية والقهر، الأموات أحرار وبرزخيون ومتساوون والأحياء فقط منقسمون إلى طبقات ومتناحرون دوماً، عالم الأموات عالم مغلق وحصين لا يمكن الدخول إليه إلا إذا مات المرء أيضاً، فالنهاية وحدها هي بطاقة عبور الى ذلك العالم المجهول، الجسد هو قيد كابح للإنسان وهو رداء للروح عندما تتخلى عنه تتحرر، الميت هو شخص متحرر من هيمنة الجسد، أجساد البشر لعنة عليهم، وهي منبع ومصدر كل المتاعب، طالما الإنسان حي فهو في سعيٍ دائم، لتلبية حاجات الجسد وكل حركات الإنسان ومساعيه تصب في هذا الاتجاه، الانسان هو مخلوق مُستعبد من جسده في المقام الاول، أما الإنسان المتوفي فهو على العكس كائن متحرر من الجسد، والعشاء المفضل عنده هو أن يوضع فوق قبره بعض أغصان الشجر مع قليل من الماء لكي لاتيبس باكراً، وروحه ستراقص هذه الأوراق والأغصان طالما هي خضراء، هذه هي الوليمة المفضلة لموتى راقدين في قبورهم. الحياة عبث طالما هناك موت طالما النهاية الحتمية للحياة هي الموت، فالحياة عبث بالضرورة وهي "حلم يوقظنا منه الموت" "وفي موت أحدنا خبز للآخر".