لسنا بخير !!

لسنا بخير !!

لقمان يوسف

منذ تأسيس الحركة السياسية الكردية في الخمسينيات من القرن الماضي ولغاية اندلاع الثورة السورية قبل نحو عشر سنوات لم يتأزم وضعها، ويضعف دورها مثل المرحلة الحالية التي تعيشها، فرغم المضايقات الأمنية والأساليب البوليسية العنيفة التي مورست ضدها إلا أن الثبات على المبادئ والإصرار عليها من قبل الحركة السياسية كان واضحاً، وبسبب ذلك عانت الكثير، وزج العديد من أعضائها في المعتقلات والسجون، وتعرّضت لصنوف التعذيب المختلفة ناهيك عن النفي والحرمان من الحقوق المدنية، واستمرت الحركة السياسية الكردية في سوريا في نضالها المميز لغاية اندلاع انتفاضة 2004 نتيجة أحداث الملعب البلدي في قامشلو، هذه الانتفاضة التي امتدت إلى جميع المدن والمناطق الكوردية بالإضافة الى المدن السورية الكبرى مثل دمشق وحلب كانتشار النار في الهشيم، حيث التحمت الحركة مع المنتفضين وكانت مساهمتها أساسية في إيصال صوت الشعب الكردي إلى العالم.
بعد اندلاع الثورة السورية منذ ما يقارب العشر سنوات وفي الفترة الاولى منها التف الشعب الكوردي حول حركته السياسية ومن جديد اتّجهت الأنظار إلى الحركة السياسية الكوردية، وفعلاً استطاعت الحركة ليس فقط إثبات وجودها، بل لعبت دوراً كبيراً وأساسياً على الساحة السياسية السورية والإقليمية، وكذلك تنشطت على الساحة الأوربية والأمريكية، واستطاعت أن تتحالف مع الطرف الكردي الآخر رغم التناقض الموجود بينهما في الرؤية السياسية وبمساعدة الإخوة في إقليم كوردستان ومساعي الرئيس مسعود البارزاني تكللت بتأسيس الهيئة الكوردية العليا، وهذا ما جعل الطاقات تتوحد، وتتفاءل الجماهير الكردية بأن الخلاص من نير الظلم أصبح قاب قوسين وأدنى، إلا أن الآمال سرعان ما خابت بعد أن سلكت أطراف الحركة السياسية سبيل الصراع البيني ورغم جهود ومساعي الأخوة في إقليم كوردستان لرأب الصدع وإعادة إنشاء وتقوية الجبهة الكردية الداخلية إلا أن تلك الجهود لم تلقَ الآذان الصاغية من بعض الأطراف في الحركة السياسية، واختارت طريق الانقسام والصراع فيما بينها، وكأن القضية الأساسية لديها أصبحت من الثانويات.
رغم التحالفات والجبهات التي تأسست فيما بعد إلا أنها لم تكن بمستوى الحدث، ولم يتم استثمار الظروف المناسبة والفرصة التاريخية لمصلحة الشعب الكردية وقضيته العادلة. ونتيجة للسياسات الخاطئة وعدم الالتزام بمناهج وأنظمة أحزاب الحركة الساسية، تراجعت الحركة سياسياً وتنظيمياً ومن تراجعها نتجت التشرذمات والانشقاقات، وبانت على السطح أسماء لأحزاب لا يتجاوز عدد أعضائها أصابع اليد الواحدة، وطفت في الواجهة شخصيات سياسية كانت في مرحلة غير بعيدة تبحث عن ما يسد رمقها، أما اليوم فقد وصلت بها الحال لحد التخمة نتيجة ما كسبت من أموال مجهولة المصدر، وأدى بها إلى نسيان ماضيها ومتعالية على السواد الأعظم من الشعب، هذا الشعب الذي دعمها، وساندها كي تدافع، وتناضل من أجل قضيته العادلة لا من أجل أن تتعالى على من سوّقها، وكانت حاضنتها، ومن المؤسف ان هذه الشخصيات القيادية في الحركة السياسية الكردية استطاعت أن تكتم أفواه الأعضاء في القواعد الحزبية وتوجيه البوصلة الحزبية بما ينسجم مع مصالحها ورغباتها.
هذا الوضع المستجد والطارئ على الساحة السياسية الكوردية دفعت بالجماهير الكوردية أن تبتعد شيئاً فشيئاً عن حركتها السياسية، وبعد أن يئست من سياستها الخاطئة وعدم انسجامها مع طموحها وتطلُّعاتها اختار أغلبها النأي بنفسها، واختار الكثير منها طريق الهجرة والبحث عن الأمان لعائلاتها، خاصة بعد أن سبقتها في ذلك الكثير من قيادات الحركة الكردية.
بعد ما آل إليه شعبنا الكوردي من وضع مأساوي خاصةً بعد احتلال عفرين وسري كهنية وكري سبي والسيطرة عليها من قبل الميليشيات المتطرفة، وازدهار مستوطنات الغمر وسياسات التغيير الديموغرافي التي تطبق في الأراضي الكوردية على قدمٍ وساق وتفريغ منطقتنا من سكانها الأصليين، هل ستستيقظ حركتنا السياسية من غفوتها وتراجع سياساتها الخاطئة، وتجعل القضية الجوهرية من أولوياتها، وتضع الصراعات والخلافات البينية جانباً وتتوحد في جبهة واحدة تعصى على الأعداء اختراقها، أم أن قسماً منها ستستمر في السياسة الحالية رغم علاتها والقسم الآخر سيستمر في المواظبة على نظريته الطوباوية وعلى مسيراته اليومية ورفع الصور والشعارات التي من شأنها استفزاز الأعداء ليقدموا على المزيد من الاعتداءات على منا طقنا وتشريد البقية الباقية؟.
الوضع كارثي ومستقبلنا ليس بمجهول، بل قاتم الظلام إن استمرت حركتنا السياسية على هذا المنوال الذي لا ينسجم البتة مع متطلبات المرحلة.
وكل الدلائل تشير أننا: لسنا بخير.