الاستذئاب البشري إلى أين ؟؟
صالح محمود
لقد استوقف هذا الموضوع الفلاسفة والمفكرين، وشغل فكرهم وعقولهم كثيراً، ورُسمت خطوط وصِيغت توجهات، وأصبح لكل خط وتوجه أنصاره وداعموه، فالمفكر الإنكليزي هوبز اعتقد بذئبية الإنسان وجشعه وطموحه اللامحدود في جمع الثروة والمال مهما كان الثمن، وبأن الجشع يدفع الانسان إلى الإكثار من ثروته ولو كانت على حساب الآخرين، وتجعله يسعى بشتى الطرق للاستيلاء على حصص غيره من الثروة والمال، وهذا يفاقم الوضع العام للبشر، ويولد، ويفرز أوضاعاً سيئة من فقرٍ واستغلالٍ ومآسٍ كثيرة، ويضع الإنسانية أمام اختبار صعب إمّا أن تصحو أو أن تختفي .وقد قيل:" ما اغتنى غني إلا بفقر فاقر،" وهنا تكمن المشكلة، جميل جداً أن يعمّ الغنى والثراء العالم، وأن يكون عامة الناس أغنياء، ولكن الكارثة تقع عندما يكون هذا الغنى مصحوباً بشن الحروب والتضحية بأرواح الأطفال والشباب والنساء، وأن تولد صراعات بين دول وكتل وتجمعات بشرية تدوم لفترات طويلة وتسبب ويلات لكثيرٍ من الناس، والكارثة الكبرى تقع عندما يتحول رأس المال إلى وحش كاسر يفتك بالبشر ويدمرهم.
إنّ الفيلسوف الألماني نيتشه يُعطي للقوي الحقّ في فعلِ ما يشاء (أن تطالب الطيور المفترسة باحترام الحملان ومعاملتها كأنداد لها يعني أن تطلب منها إلغاء وجودها ذاته). فأكل الحملان هو ما تفعله هكذا طيور وأن تطلب نقيض ذلك يعني أن تطلب منها تدمير قوتها وطاقتها المحركة، هذا هو مفهوم نيتشه عن الحياة الممتازة، فنيتشه يحلم بزمن لا يتم فيه تقييد القوي والمبدع بأية أغلال ،هذه وجهة نظر نيتشه رائد فلسفة الشر، وبسبب هذه الأفكار لُقّبَ بعرّاب الفاشية، ولكن رُبّما لو عاش نيتشه فترة الحرب العالمية الثانية وشاهد بأمّ عينه ما فعلته الفاشية بالبشر من دمار وخراب لغيّر أفكاره وأراءه، وأصبح من مناهضي الفاشية بدل مناصرتها، نحن لا ندري ما الذي كان سيفعله نيتشه؟ ولكن هو في نهاية الأمر مثقف وفيلسوف ومن المستبعد أن يناصر هكذا أيديولوجية: تدمير الآخرين وسحقهم دون رحمة.
أما في الجهة المقابلة، فهناك وجهة نظر مغايرة، وهناك مفكرون لهم رؤى مختلفة، ومنهم هيومان صاحب مبدأ "الإيثار والغيرية" وهو يؤكد حتمية وجود هذه النزعة عند الإنسان، نزعة تفضيل الآخر على الذات والرحمة والرأفة بالآخرين، فهو يؤكد أن من طبيعة الإنسان أن تُوجد عنده مثل هذه المبادئ والخطوط وإلا كانت الإنسانية مدمرة منذ زمن بعيد، إنّ مبدأ الرأفة والرحمة عند الإنسان أمر متأصّل ومتجذّر فيه منذ أن خُلقَ، وبفضل هذا المبدأ حافظ الإنسان على إنسانيته ووجوده كإنسان وككائن عاقل لا علاقة له بالغابة التي هي فقط للحيوانات.
إنّ ظاهرة الاستذئاب البشري أو ظاهرة الإيثار والغيرية ظاهرتان موجودتان معاً، وكأن وجود الواحدة منهما مشروطٌ بوجود الثانية، وبذلك يولد نوع من التوازن في الحياة العامة للبشر، لقد طغى الإنسان وتجبّر كثيراً. ولكن أليس لطغيانه وتجبره حدودٌ ونهايات؟؟ والاستذئاب البشري أليس له حدود؟؟ .
عاش الروائي القرغيزي" السوفييتي" جنكيز ايتماتوف الحربَ وويلاتها وأكّد في كتابه الرياح تُطهّر الأرض: " إن مفعول الحرب مهما كان تدميرياً لا يستطيع أن يدمر الإنسان .الحرب تغيّر عادات الناس ونمط حياتهم والعلاقات بينهم، وتعود عليهم بالحرمان المادي، والحرب تجعل قلوب الناس قاسية ويمكن ان تجعلهم يصارعون من أجل انفسهم فقط، وأن يمتهنوا القسوة المطلقة، ولكن الروح الإنسانية تزدهر آنذاك بالذات كأنما خلافاً لطبيعة الحرب وكأنها تتحدى قوتها التدميرية فهي تدفع بأفضل قواها الدفاعية لتصد الشرور."
والنزعتان نزعة الاستذئاب البشري والنزعة الإنسانية الهيومانية تسيران في خطين متوازيين، فالغيرية والإيثار تتكرسان لتمنع الإنسان من الانزلاق نحو الاستذئاب البشري، فالمنظمات الإنسانية والطواقم الطبية وفرق الدفاع المدني في العالم هي وليدة النزعة الإنسانية التي تأبى الهزيمة أمام ظاهرة الاستذئاب البشري.