عصر ما بعد المبادرات السورية
جان كورد
الناظر الى الأوضاع الحالية في سوريا يرى مهالك لثلاثة أطرافٍ سورية:
ما تبقى من النظام الأسدي الذي يمشي مستعيناً بعكازتين إيرانية وروسية. وماتبقى من "الثورة السورية" بامتداداتها في ليبيا والقوقاز بين آذربايجان وأرمينيا. وما تبقى من "غرب - روژاڤا" التي يقضمها الإحتلال التركي بتوافق ضمني غير معلن مع النظام السوري أو الجامعة العربية أو محافل الإخوان المسلمين في شتى أنحاء المعمورة. وهذه المهالك التي تشبه الثقوب السوداء في الكون تبتلع كل يوم شعوب سوريا كتلةً بعد كتلة، حتى يصبح الجزء الغائب من مواطني سوريا أكبر من الجزء المتمسك بأرض وطنه.
ولم تعد تهم العالم قضية السوريين بعد أن برزت للوجود قضية الحرب الروسية على أراضي أوكرانيا وتفاقمت بسببها الأزمات المستعصية وبخاصة في مجال الطاقة على مستوى العالم الذي قد ينجرف الى حرب نووية مدمرة.
في هذه الأوضاع السيئة للغاية تظهر في الأفق السياسي السوري مبادرات من أطرافٍ سياسية واجتماعية، لتقريب وجهات النظر بين كافة السوريين، بهدف تجاوز الأخطاء الجسيمة التي وقع فيها الجميع، بهدف الخروج من المهلكة الكبرى التي تقترب منها سوريا برمتها، اقتصادياً ووجوداً، ولم تعد تفيد الأقوال الزاعمة بأن هذا الطرف أو ذاك قد انتصر على الآخر أو الآخرين، فالشعوب لا يمكن أن تُخدَع بالشعارات والحكايات والإدعاءات. فلا انتصار بدون خبز وغاز ودواء ومدارس وكهرباء وأمن وسلام. ونحن جميعاً ندرك بأن تربّص المتربصين بسوريا وخيراتها مستمر، وثمّة مشاريع لدول عديدة لسلب هذه البلاد كل ما فيها من خيرات، فالذي هو مستعدٌ لخوض الحرب في البحار لا يتوانى عن دفع دباباته وطائراته للتقدم كيلومتراتٍ قليلة داخل العمق السوري لاحتلال منابع النفط الذي يحتاج إليه جداً، والذي جاء من بلادٍ بعيدة واستولى على مواقع له على شاطىء المياه الدافئة لن يترك تلك المواقع لمائة عامٍ أو مائتين، كما أن الذي واتته الفرصة لجعل سوريا ساحةً لنشر مبادىء وأفكار ثورته المذهبية لن يسمح بعد الآن لأحدٍ أن يطرده من الساحة وإن جرت حروبٌ أخرى في بلاد ٍ كان يحلم بالسيطرة الروحانية عليها.
فما العمل بعد أن زادت أطروحات المبادرات السورية؟
برأيى أن يصدر من كل كتلة أو هيئة سياسية سورية "إعترافٌ بالفشل" قبل كل شيء، ومن ثم التأكيد الفعلي وليس الكلامي فقط على أن الخروج من المهالك السورية يستدعي التسامح والتقارب والتعاون وتجاوز الأخطاء والإعتراف بالجرائم ووقف التغيير الديموغرافي وعودة كل المهجرين الى مناطق سكناهم الأصلية، والدعوة الى مؤتمر وطني سوري عام تحت إشرافٍ دولي لفتح بابٍ جديد أمام توحيد كل المبادرات الخيّرة والمنتجة ووضع أساسٍ جديد للتعامل بين سائر المكونات السورية قائم على أسس العدالة والانسانية والتعاون من أجل طمر المشكلة السورية بشكلٍ تام وفتح المجال أمام الشباب لأخذ دورهم الكامل على صعيد إحياء وبناء وتجديد سوريا، لأنه جيلٌ يفهم الحضارة والحداثة والتجديد، ولم ينخر الفساد حياته، بل إنه يسعى للخروج مما أوقع آباءه في هذه المهالك. وبالتأكيد فإن الجيل الجديد يفهم الكتاب والكومبيوتر الذي صار أقوى أسباب التقدّم الشامل أفضل من كل أسلحة القتل والدمار والتهجير ويطمح لأن يحل مشاكل بلاده بالحوار والنقاش والعمل المشترك، وعلى هذا سيكون له دستورٌ جديد غير الذي يسعى به الترقيع والتلميع جيل الآباء الذين سقطوا في المهلكة وجروّ اليها سوريا معهم.
فلنتذكّر معاً لعبة السكين والجبنة الشهيرة بين الكورد في منطقة جبل الكورد/ عفرين.
لعبة السكين والجبنة: يتقدم طفلان من بعضهما بعضاً بخطواتٍ واحدة بعد الأخرى بقدر طول حذاءيهما فقط، ثم تأتي الخطوة التالية إلى أن يلتقي الطرفان، فأحدهما السكين والآخر جبنة، إلا أن الهدف الأسمى من اللعبة ليس الغلبة وإنما التقارب ولو على مهل.
طبعاً، لا بد من محاسبة للمجرمين من أي طرفٍ كانوا، أي لا بد من العدالة الانتقالية ووضع القانون في أعلى مقام وتطبيقه وليس وضعه على الرف.