أمطار حامضة على الشمال السوري؟!
علي مسلم
ثمّة متغيرات سياسية مقلقة باتت تفرض نفسها على الشمال السوري برمّته شيئاً فشيئاً، وقد بدأت ملامحها الأولية بالظهور، ولاسيما بعد التصريحات والمواقف الصادرة عن بعض الأطراف الإقليمية والدولية المنخرطة في الشأن السوري، ومن الواضح أن المؤشرات الأولية لهذه المتغيّرات تشير بصورة لا لبس فيها، إلى أن خرائط القوى والكيانات الموجودة على الشريط الشمالي لسوريا، إنما هي حالات لوجستية مؤقتة، اقتضتها الضرورة، ولا بدّ من تفتيتها أو إنهائها بأي ثمن، وقد لا يقتصر الأمر على قوات "قسد" المتحالفة مع الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، بل ربما تشمل كل القوى والفصائل بما في ذلك تلك الفصائل التي ما زالت تعمل بالتنسيق مع الدولة التركية، وربما ينسحب هذا الأمر على الأذرع السياسية لهذه الكيانات، والمتمثلة بمؤسسات الائتلاف، وهيئة التفاوض، والحكومة السورية المؤقتة وملحقاتها.
وتؤكّد الوقائع إلى أنّ هذه المتغيّرات تحمل في طياتها ملامح سياسية لوجستية مغايرة، ربما تقلب صورة الوقائع المفروضة رأساً على عقب، وسيتم بناء على ذلك إعادة ترتيب وانتشار القوى وفق مقتضيات المرحلة، وستكون على الغالب مبنية على مزيج غير متجانس من الرغبات الروسية والتركية بالرغم من حزم التناقضات الموجودة بينهما، فهي من جهة تعزز مزاعم الدولة التركية في سعيها لتأمين أمنها القومي في وجه المخاطر القادمة من الجنوب، إلى جانب تهيئة الأجواء لعودة اللاجئين السوريين المقيمين على الأراضي التركية إلى مواقعهم بصورة أو بأخرى، ومن جانب آخر تخدم مساعي روسيا في محاولتها لتعويم النظام السوري وبقاء الأسد لمرحلة زمنية لاحقة.
وقد عزّز هذا التوجُّه جملة البيانات والتصريحات التي صدرت من أطراف استانة في الآونة المنصرمة، بدءاً من قمة طهران الثلاثية، ومروراً بمخرجات لقاء سوتشي بين بوتين واردوغان التي ركزت على صون وحدة سوريا، والتنسيق بين البلدين من أجل محاربة التنظيمات الإرهابية، وإعادة اللاجئين، وانتهاء بما صدر من تصريح على لسان وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو مؤخراً بخصوص المصالحة بين المعارضة والنظام كخيار نهائي.
وبغضّ النظر عن مدى مُلاءمة هذه المتغيّرات مع رغبات وتطلّعات الشعب السوري الذي ضحى بكل شيء في سبيل تغيير هذا النظام، فإن هذه المتغيرات ربما تخدم وتعزّز التوجُّهات الإقليمية والدولية لبعض الدول في هذا السياق، في الوقت الذي فشلت فيها المعارضة السورية بشقّيها العسكري والسياسي وبمسمياتها المختلفة في الخروج بمشروع سياسي يطمئن المحيطين الإقليمي والدولي من جهة، ومن جهة أخرى يشفي غليل السوريين بعد كل هذه التضحيات.