الشتيمة حق لمن يستحق

 الشتيمة حق لمن يستحق

عبدالحميد جمو

تجمع أهل القرية، واتّجهوا إلى الشيخ (مرتبة دينية عليا لدى المتصوفيين) يشتكون رجلا سليط اللسان لا يعتق من شرّه أحد.
قال الناطق باسم أهل القرية: ياشيخنا الجليل إن فلاناً وأنت تعرفه رغم عراكه مع السنين وتجاوزه السبعين إلا انه لا يزال متصابياً، كثير السباب، فج التعامل، يقطر من لسانه سم الكلام، فيجرحنا ويحرجنا ولا نريد ان نبادله بالمثل، وهو رجل هرم، جئناك لتأدبه.
قال الشيخ مبتسما: يا إخوتي وأبنائي "أن الله تعالى يستحي ان يعذب ابن السبعين وهو رب العالمين ومالك يوم الدين" فمن أكون أنا حتى أؤدبه، ولكن أعدكم ان استدعيه وأتحدث إليه وأحثه على التوبة وترك هذه الأفعال والأقوال.
استدعاه الشيخ لمجلسه فجلس بمواجهة الشيخ راكعا على ركبتيه وأمسك يده وانحنى ليقبلها، فبادله الشيخ بالمثل، دعاه الشيخ لأخذ راحته في الجلوس مرحبا به اشد الترحيب بوجه ضاحك، ثم قال له:
يا فلان كم تبلغ من السنين؟
شيخي الجليل فديتك (قربان) تجاوزت الخامسة والسبعين.
الشيخ: وبالتأكيد أنت مواظب على صلاتك وقيامك وصيامك.
الرحل: يا بو قربان (يا ابي) هل نسيت انني أديت فريضة الحج وان صلواتي الخمس أقيمها جماعة ماذا دهاك شيخي؟.
الشيخ ضاحكا: اعلم ياحاج، ولكن أردت تذكيرك بالحديث الشريف "من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له"، وأنت الرجل القيم التقي الورع ترتكب الفاحشة الصغرى بحق أبناء قريتك بلسانك السليط وكلماتك النابية، هذا يزعجهم ويدفعهم للنفور منك، يا أخي مثلك يجب ان يكون ناصحا داعيا للخير، وأنا أدعوك هنا لتعود عن هذه الأفعال وتتوب توبة نصوحة.
الرجل: شيخي قربانك لا استطيع.
امتعض الشيخ وتغيرت اساريره، وقال بلهجة حادة: أدعوك ان تترك هذه الأفعال، وان لا تعود اليها، غدا كيف ستواجه ربك يوم الحساب وأنت تقف بين يدي رب القدرة والجلالة، ألا تخشى عقابه.
الرجل: شيخي أكثر ما يخيفني هو عذاب الله، ولكن الله عالم الغيب والشهادة سيغفر لي، فكل مسباتي شرعية وحق، فأنا لا أتجنى على مظلوم ولا أعتدي على مسكين ولا آكل مال اليتيم.
ازداد الشيخ غيظا من رده وقال بلهجة فيها الكثير من التأنيب والتوبيخ: يا هذا أتفتري على الله كذباً وتتجاوز حدود الله،( وقبل ان يتمم حديثه) دخل المجلس دون استئذان رجل بدوي قاسي الملامح ذو لحية مغبرة وشارب مبعثر تفوح من ثيابه رائحة العفن لم يرمي عليهم السلام، وأخذ له مكان بجانب الشيخ وجلس على الأريكة لم يعطي الشيخ الفرصة ليرحب به أو ان يسأله عن حاجته، رتب على كتف الشيخ قائلا: يا شيخ جئت استفتيك بامر، كان لي ابن وحيد زوجته منذ اربعون يوما وصرفت على زيجته كل ما أملك وتأملت ان يزيد نسلي، ولكن يوم امس لدغته افعى سامة ومات، فهل يجوز لي أن أتزوج زوجته.
انتفض الشيخ من مكانه وهم بضربه لكنه سمع تمتمات من خلفه ينطقها الحاج، فدخل الشيخ في موجة ضحك هستيريا والتفت إليه، وقبل ان ينطق الشيخ قال له الحاج شيخي أنا أسب و أوبخ أمثال هذا.
فطبطب الشيخ علي كتفه وقال ان كانت مسباتك موجهة لأمثال هذا فلا حرج عليك.