الساعة ٦ صباحاً

 الساعة ٦ صباحاً

آزاد شرف

بعد ليلة طويلة مع أحلام اليقظة والكثير من التقلبات في فرشتهِ المصنوعة من صوف الغنم التي جمعته وغسلته أمهُ منذ ما يقارب العشرين عاماً لولدها حتى ينام عليها مرتاحاً والعائلة التي ساد جوهم الحزن والاضطراب والقلق بين سائل ومجيب ومستفسرٍ وتوصياتٍ من الأم التي لم تتوقف عيناها عن البكاء والنحيب الصامت والدعوات والابتهالات لله أن تحميهِ وتتوجه لزوجها مهدئة إياه رغم الألم الذي يعتصر قلبها.
كيف لا وابنها الذي لم يفارقها يوماِ سيغادرهم، وتترجاه بأن يمنع هذا السفر الذي كانت تحس بأنه سيكون طويلاً وربما لغير رجعة مبتلعة غصتها التي تحبس أنفاسها، وهو يردُّ عليها بهدوء وتمتمة.
وماذا أفعل يا امرأة إن ابنك مصرٌّ على الرحيل؟! أنا مثلك لا أريدهُ مسافراً، ولكن ألا ترينه مصراً َلا يرد علينا، إن رأسه يابس، ولا يستمع لأحد، وهذه الفكرة اللعينة احتلت كل تفكيرهُ، ويريد تركنا وحدنا في هذا الزمن الأغبر، لكن يا زوجتي الغالية دعيه يجرب حظهُ في الحياة ويرى العالم مكملاً، لقد أصبح رجلاً، وهو يحاول الابتسام، لكن غصته كانت تقطع عليهِ أنفاسهُ، وتصيبه بالحشرجة متمتماً منهياً الحديث:
اتركيني يا امرأةً، متلفتاً، مديراً ظهره في محاولة لإخفاء ضعفهِ ودموعهِ التي أصبحت تتجمّع للانفجار وملء أخاديدهِ التي لعب الزمن بها لعبتهُ ساحباً سيجارة من التبغ الملفوف في كيسه، ينظر حولهُ وللسقف نافثاً دخانه للأعلى راسماً سحابة كبيرة ملأت الأجواء ضباباً وخطوطاً ملوّنة بالأزرق القاتم متّخذةً مسارها لأحد الثقوب الموجودة في النافذة المكسورة .
وابنهم صامتٌ يتفكر، وقد تغيّر لونه، واحمرت عيناه من شدّة التوتّر والرهبة، إنها الرحلة التي لا بد منها كالقدر المحتوم قالها في نفسهِ . نهض من فراشهِ متوجّهاً نحو الحمام يغتسل وأمهُ وأبوه كانا في انتظارهِ في الغرفة الأخرى مُتعبين متربعين حول المنفضة التي امتلأت لآخرها والتعب بادٍ عليهم، ويبدو أنهما أمضيا ليلتهما في التدخين والتفكير لدرجة أحمرت عيناهما وقد ارتسمت على وجهيهما آثار جديدة لاحظها لأول تقدم إليهما مقبلاً يديِّ أبيه ورأسه ممازحاً وسأقبلك يا أمي قبلتين وهو يحضنها بقوة كأنهُ يشتم عطرها لآخر مرة..
لم ينتبه لأبيه الذي ربَت على ظهره قائلاً ممازحاً ألن تحضنني يا عفريت؟ فالتفت إليه محاولاً الإفلات من ذراعي أمهِ التي أجهشت بالبكاء العميق حاضناً أباه بقوة وعنفوان قائلاً: أبي كم أحبك!! وتأكد بأني سأحبك للأبد، وهو يبكي بحرقة وألم، ووالدهُ يحضنهُ محاولاً الكلام ولكن الصوت خانه عن الحديث، فشدّهُ لحضنهِ بكلتا يديهِ يشمهُ ويقبلهُ تعلم كم أحبك وتعلم إني لا أريدك أن تغادرنا ، ولكني لن أقف في طريقك ورغبتك بالسير في الطريق الذي اخترته، ولكني أخشى أن أرحل وأنت بعيدٌ عني، لتتدخل زوجتهُ التي مسحت دموعها بطرف قفطانها قائلة لزوجها ممازحة: اتركهُ يا رجل، وأدعِ له بالخير والبركة، وافرح لأن ابننا أصبح رجلاً، وصاحب قرار، وهذه حياتهُ ومصيره الذي اختارهُ فلندعوا له بالسلامة مكملةً:
اذهب يا بنيَّ، تصحبك دعواتي ورضايَ عليك .
بدون وعيٍ سحب نفسهُ من حضن والدهِ متوجّهاً لغرفتهِ يستعدُّ للحاق بالباص الوحيد في قريتهِ المتوجه للقامشلي حيث معبر نصيبين التركي.
تقدم ببطء خارجاً من بيتهم الطيني ترافقهُ أمهُ وأبوه العجوز نحو باب الحوش الحديدي غير قادرٍ على النظر إليهما وإلى البيت الذي أمضى فيه كل حياتهِ، والجدران التي بناها بيديه وأشجار بستانهم التي غرسها ورواها، وشاهدها تكبر، وتثمر حتى الدجاجات بدأت تلاحقهم وتنقر دربهم وأخيراً توقف ونظر لوجه أبيه وأمهِ المتعبتين يقبلهم، ويحضنهم والآن: اتركاني كي لا أتأخر، ووعدٌ مني سأعود قريباً والتفت ملوحاً وهو يبكي شاقاً طريقهُ عبر البيوت الطينية نحو موقف الباص . حاملاً معهُ حقيبتهُ، والكثير من القصص والحكايا وصورة أمه وأبيه العجوز.