رصيف الثورة؟!

رصيف الثورة؟!

علي مسلم

قال أحد نشطاء الثورة السورية في معرض توصيفه للفئات الاجتماعية التي لم تنخرط في الحراك السلمي الذي عمّ البلاد من أقصاها الى أقصاها بعد آذار 2011، "إن الفئات البرجوازية المتكونة من طبقة التجار والموظفين وأصحاب المصالح في المدن الكبيرة بقوا على الرصيف، بالرغم من صرخات المتظاهرين التي دكت مضاجعهم"، وهذه كانت حال أغلب القيادات الكردية في المدن والبلدات، وقتها كانوا يمدون برؤوسهم نحو جهة الصخب ليستطلعوا، وفي أحسن الأحوال كانوا يخرجون، ويكتفون بالوقوف على الرصيف حائرين، أما حين خرجت بعض المناطق من قبضة النظام فقد حملوا حقائبهم، وأداروا ظهورهم إلى كل ما كان يمت من صلة إلى نشأتهم وأحلامهم وتطلّعاتهم، فالوطن الذي كانوا يتغنّون بأمجاده ليل نهار فقد اختصروها في حقيبة وقصيدة وجواز سفر.
ولو أجرينا مقاربة بسيطة بين التطلعات النظرية التي كانت تسود مجالسهم على مدى بضعة عقود أو أكثر، وبين الذي حصل على أرض الواقع، سنكتشف بدون أدنى جهد مدى صدقية تلك الفئات، فما كنا نبحث عنه ونعمل لأجله قد حصل فعلاً، فمؤسسات النظام الأمنية بدأت تتداعى في الوسط والشمال والشمال الشرقي، وكان من الممكن استغلال ذلك لمصلحة ما كنا نصبو إليه، ونقف وقفة وطنية جادة، بحيث نتفادى كل ما حصل من تهجير ودمار وخراب.
الثورة تلكأت، الثورة انحرفت:
ببعض الصراحة والوضوح أستطيع القول: إن الإسلام السياسي بما في ذلك حركة الإخوان المسلمين وبعض الحركات الراديكالية الأخرى في سوريا كانت أكثر استعداداً لقيادة المشهد، ولاسيما بعد اعتكاف الفئات المتنورة والمتمثلة بفئة الموظفين والتجار وأصحاب الأموال وبعض النخب الانتهازية الكردية منها وغير الكردية، وكأن الأمر لا يعنيهم، مقابل ذلك استطاعت السلطة أن تستغل هذه الظروف بشكل مثالي بحيث أبقت على الرواتب والامتيازات، بالرغم من انقطاع الموظفين عن وظائفهم لسنوات عديدة، وهذا ما ساهم إلى حدّ بعيد في إبقاء مفاعيل الثورة محصورة بين بعض الفئات الريفية من جهة، ومشاغبي المدن العاطلين عن العمل من جهة أخرى، هذه الفئات التي تحولت فيما بعد الى لقمة سائغة بيد حركة الأخوان المسلمين وأمثالها، ولأنهم لا يمتلكون أية مشاريع وطنية، باتوا جزءاً من استراتيجيات بعض الدول الإقليمية فيما بعد.
أمام هذا المشهد المتفاقم، وبعد الذي حصل، يخرج إلينا بعض مدّعي الثقافة من هنا أو هناك، ليضعوا اللوم على البعض المختلف، بأن الثورة قد سقطت، وإنهم يتحمّلون وز ذلك لوحدهم، واقع الحال يشير إلى أن الكل السياسي، بما ذلك الكرد والحركة السياسية الكردية، يتحملون نتائج ما حصل، وينبغي على الجميع البحث عن مخارج بحيث نتمكّن سوياً من إنقاذ ما يمكن إنقاذه، ونتمكّن من إعادة المهجرين إلى أماكن سكناهم، فصدّق من قال إن الثورة باقية بالرغم من التلكؤ والانحراف، ولا يجوز تحديد عمر الثورة بعقد، الثورة مستمرة طالما الحياة باقية ومستمرة.