في سوء استخدام وتوظيف المصطلح في الخطاب الكوردي السوري
شاهين أحمد
هذا الموضوع قد يبدو لدى البعض غير مهم لإثارته أو الكتابة فيه نظراً لأن هذا البعض - نتيجة طيبته الزائدة - قد لا يشعر بخطورة هذا الأمر، ومايحمله من تبعات سلبية على أجيالنا في المستقبل. الأمر الذي دفعني للكتابة في هذا الموضوع هو ملاحظتي أن غالبية الاخوة العاملين في الحقل الحزبي الكوردي والمهتمين بالشأن الكوردي في كوردستان سوريا بشكل عام وأثناء ظهورهم على المنابر الإعلامية أو من خلال كتاباتهم يقعون في أخطاء غير مقصودة أحياناً ظناً منهم بأن مايستخدمونه من عبارات أو مفردات أو مصطلحات، بريئة وصحيحة !. لكن لدى التمعُّن ودراسة المفردات التي تم استخدامها من قبل هؤلاء الإخوة نلاحظ أنهم وقعوا دون انتباه في الفخ الذي نصبته جهات مشبوهة قامت بصناعة هذه المصطلحات وإطلاقها في أوساط شعبنا والتركيز على دوام استخدامها عبر منابرها الإعلامية حتى أصبحت على لسان كل مواطن، وجزءاً من أحاديث الناس بشكل شبه يومي.
إذاً: مناسبة هذه الكلمات هو مايجري في كوردستان سوريا من استخدام لمصطلحات غريبة ومريبة أصبحت متداولة بين شرائح واسعة من شعبنا وخاصةً من جانب كوادر وقيادات الحركة التحررية الكوردية !.وبما أن المصطلحات والمفردات المهمة وكيفية استخدامها وتوظيفها الصحيح خطوة مهمة في مجال الكتابة وتوضيحها للحصول على مكتوب أو خطاب جذاب لشد القارئ، وجعله مهتماً بمضمونه، وبالتالي إيصال الرسالة التي تريد إيصالها، من هنا تأتي أهمية ودقة اختيار المفردات المناسبة بشكل عام، والمهمة منها كالمصطلحات بصورة خاصة في إطار النشر والإعلام. لأن المفردة التي نستخدمها يجب أن تخدم الهدف من نطقها أو كتابتها وإلا ليس هناك من داعٍ لبذل ذاك المجهود، لابل حتى قد يساء فهم ما نكتب أو ماننطق به. وليس بخافٍ على أحد بأن هذه الظاهرة انتشرت بعد تسليم النظام السوري لمناطق واسعة من كوردستان سوريا لحزب pkk بموجب اتفاقية دوكان المعروفة ومن خلال فرعه السوري المتمثل بـ حزب الاتحاد الديمقراطي ومختلف المسميات الأخرى التابعة لمنظومة العمال الكوردستاني. حيث أصبحت المصطلحات التالية: " الأكراد، الأقلية الكوردية، الشمال السوري أو المناطق المحاذية للحدود التركية، مناطق شمال سوريا، شرق الفرات، روج آڤا، الإدارة الذاتية...إلخ "تستخدم بشكل مكثف في مختلف المنابر الإعلامية الموجهة للمنظومة المذكورة وحلفائها. وبما أن الكلمة بعد نطقها أو كتابتها تنتشر بسرعة، ولايمكن لأحد أن يعيدها ويحبسها، وكل متلقٍّ أو قارئ لها سوف يفسّرها حسب فهمه ووعيه، لذلك من هنا تأتي أهمية توخّي الدقة في اختيار المفردة، وكذلك حسن استخدامها في المكان والزمان المناسبين، وفي هذه العجالة سنكتفي بشرح بعض هذه المصطلحات ومنها :
1 – روج آفا: هذا المصطلح له مدلول جغرافي معروف يعني الغرب كأحد الاتجاهات الأربع الرئيسية. والغرب كاتجاه عبارة عن خط وهمي يبدأ من حيث أنت، وينتهي حيث أنت في دائرة كاملة حول الكرة الأرضية. بمعنى أن هذا المصطلح لايشير إلى مساحات محددة ومقصودة في كينونة المصطلح، لأن المفردة أو المصطلح يجب أن يعرف نفسه تماماً، وخاصة إذا كان المصطلح متعلقاً بقضية شعب تعرّض ومازال لشتى صنوف القهر ومحاولات محو هويته وتغيير ديمغرافية مناطقه كالشعب الكوردي في سوريا، وبالتالي "بدعة روج آفا " لا تنطلي على أصحاب الخبرة من مناضلي شعبنا الكوردي، وعلى الجميع أن يفرق جيداً بين هذه البدعة (روج آفا) وبين المصطلحات المعبرة عن حقيقة وجود شعبنا وأرضنا داخل الحدود الإدارية والسياسية للدولة السورية، ومن هنا فإن كل الحريصين من أبناء شعبنا الكوردي ومن الشركاء والأصدقاء المخلصين مطالبون باستخدام المصطلحات الدالة على حقيقة وجود جزء من شعبنا وأرضنا داخل سوريا بموجب الاتفاقيات الدولية المعروفة مثل سايكس - بيكو لعام 1916 ولوزان لعام 1923 وتفاهمات الحدود اللاحقة بين تركيا وفرنسا. وعلى الجميع استخدام المفردة الصحيحة المعبرة عن حقيقة هذا الوجود مثل (كوردستان سوريا أو كوردستان الغربية والأصح الجزء الكوردستاني الملحق بالدولة السورية).
2 – الفرق بين منح الجنسية وإعادة الجنسية: الصحيح هو إعادة الجنسية للمجردين منها، وليس منح الجنسية، لأن أكثر من ربع مليون شخص من أبناء الشعب الكوردي تم تجريدهم من الجنسية بموجب الإحصاء الاستثنائي الذي جرى في محافظة الحسكة بتاريخ 23 آب 1962، وجميع من تم تجريدهم كانوا مجنسين، وبالتالي القول بإعطاء أو منح الجنسية خلال مناقشة قضية هؤلاء المظلومين هو خطأ كبير، حيث يقع الكثير من الإخوة في هذا الخطأ عندما يتحدثون عن هذا الموضوع، وبالتالي قد يفهم من تلك المفردة- منح الجنسية - التي تكتبها أو تنطق بها وكأنك تطالب بإعطاء الجنسية لأناس وافدين، لأن البعث وأجهزته الأمنية زوروا كل شيء، وحاولوا ومازالوا التستر على تلك الجريمة - جريمة تجريد أكثر من ربع مليون كوردي من جنسيتهم السورية - وخلق انطباع لدى الرأي العام العالمي بصورة مخالفة للواقع، وبعد قيام البعث بتجريد قرابة ربع مليون كوردي من الجنسية السورية وحرمانهم من ممتلكاتهم، استقدم العرب الذين غمرت مياه بحيرة الأسد خلف سد الفرات أراضيهم وقراهم، وتم توطينهم من خلال مشروع الحزام العربي العنصري في مناطق واسعة من كوردستان سوريا بدأت من غرب مدينة كري سبي / تل أبيض وحتى ديريك على الحدود السورية - العراقية، حيث تم بناء قرى نموذجية على شكل مستوطنات على طول الشريط الحدودي بين سوريا وتركيا بهدف تغيير ديموغرافية المنطقة. ومن الأهمية بمكان الإشارة هنا إلى نقطة في غاية الأهمية أن تلك القرى النموذجية التي كانت تتراوح عدد بيوتها وسطياً بين 250 إلى 400 بيت أيام حكم البعث وقبل انطلاق الاحتجاجات الثورية في سوريا منتصف آذار 2011 وبعد تسليم تلك المناطق لحزب pkk من خلال فرعه السوري تحولت تلك القرى إلى مدن وبلدات عامرة نتيجة استقدام أهالي وأقارب المغمورين!. ومن جهة أخرى لأن عملية منح الجنسية هي عملية قائمة ودائمة على مستوى العالم سواءً للمهاجرين الذين يستقرون في بلدان غير بلدانهم وكذلك للمواليد الجدد في مختلف بلدان العالم . وهناك نقطة في غاية الخطورة وهي أن التماهي مع خطاب منصات المعارضة العربية بحجة التقارب وتغليب المشتركات فيه الكثير من الخطأ والخطورة، لأننا يجب أن ندرك ونتذكر جيداً بأن غالبية من تصدّر المشهد المعارض هم كانوا حتى الأمس القريب من العاملين في سلك البعث واستخباراته، بل ساهموا في تطبيق العديد من المشاريع الشوفينية بحق شعبنا، ولايختلفون في غالبيتهم مع توجهات البعث والنظام فيما يتعلق بوجود وحقوق مكوّنات الشعب السوري الأقل عدداً وخاصة شعبنا الكوردي، وبالتالي يجب أن نكون واضحين مع شركائنا، لسنا مخولين في التنازل عن ذرة واحدة من حقوق شعبنا إرضاءً لأحد، وهذا لا يعني أبداً بأننا نخلق جواً من النفور أو نتهرب من التلاقي، بالعكس تماماً، لأن القفز فوق الحقائق كانت أحد أهم الأسباب التي أدت ببلدنا سوريا إلى كل هذا الدمار والقتل والتهجير .
3 - الفرق بين الكورد والأكراد
وهنا الفرق بين الكورد والأكراد تماماً كالفرق بين العرب والأعراب، فالعرب يقصد بهم سكنة المدن والأمصار ونسبتهم للقبائل العربية المعروفة، بينما الأعراب بالرغم من البداهة والطيبة والبلاغة والكرم لدى هؤلاء إلا أن المصطلح هنا يستخدم وسط العامة لـ سكنة البادية الذين نادراً ما كانوا يزورون المدن والأمصار، ويعانون الفقر والتخلف ويُتهمون بـ الجفاء والغلظة والجهل. ويطلق صفة الأعراب على القسم المتخلف من العرب، وكذلك هو بشكل أو بآخر تعبير عن الدونية (ولا نريد الدخول في ذكرهم في القرآن الكريم والسنة النبوية وكذلك التناقضات بين من كتبوا عن الأعراب). ومن هنا علينا أن ننتبه جيداً بأن من يستخدمون كلمة الأكراد بدلاً من كلمة الكورد ينقسمون إلى قسمين: الأول يستخدم هذا المصطلح "الأكراد" عن سوء نية ولؤم كنوع من التقزيم أو التقليل من شأن الكورد وحجمهم والتشكيك في دورهم الحضاري في المنطقة ولتمرير أفكارهم المسمومة ونوازعهم المشينة، لأن كلمة أكراد لغوياّ هي جمع "القلة" بينما كلمة الكورد وهي الأصح والأصوب لغوياً هي جمع "الكثرة" وهذا الأمر معروف لفقهاء اللغة العربية. والثاني يستخدم ذات المصطلح عن جهل بحقيقة الفرق بين المصطلحين أو المفردتين. وهنا يهمنا أكثر استخدام لفظة "الأكراد" من جانب المتصدرين للمشهد الحركي أو الثقافي الكوردي. وبالتالي يجب على المهتمين بالشأن السياسي - الحركي، وكذلك الثقافي والفكري الكوردي أن ينتبهوا جيداً لهذا الجانب في سياق خطاباتهم وكتاباتهم، وتوجيه وتوعية الشارع الشعبي بالفرق والمخاطر والمقاصد من سوء اختيار المفردات، وخلط المفاهيم وفوضى الدلالة .
4 – الفرق بين الأقلية العددية والأقلية القومية:
إن وصف التواجد الكوردي ضمن هذا الحقل يحمل وجهين، فمن جهة نعم الكورد هم أقل عدداً من المتحدثين بالعربية، أو الذين يعدون أنفسهم عرباً في سوريا حالياً (ولن ندخل في الأسباب أو حقيقة هل هذه الأغلبية حقيقية أم أنها نتيجة عوامل وظروف أدت ببقية الأقوام إلى الانسلاخ عن قومياتهم والتظاهر بأنهم عرب مع كل الاحترام للمكون العربي الأصيل). لكن من جهة أخرى فإن هذا الموضوع مختلف عندما يتم وصف تواجد الشعب الكوردي في سوريا بـ الأقلية القومية لأن الأقلية القومية تختلف عن الأقلية العددية لجهة الوجود وأركانه وكذلك الاستحقاقات، ولأن الأقلية القومية يقصد بها تلك المجموعة التي تركت وطنها وهاجرت واستقرت على أرض قوميات أخرى نتيجة ظروف معينة (حروب، ظروف مناخية ومعيشية، مظلوميات دينية أو مذهبية ...إلخ) مثل التواجد الأرمني في سوريا. لكن التواجد الكوردي في سوريا مختلف كلياً لأن هذا التواجد هو نتيجة التقسيم الذي تعرضت له المنطقة بشكل عام من جانب المنتصرين في الحرب العالمية الأولى وبموجب الاتفاقيات المذكوره أعلاها ورغماً عن إرادة شعوب المنطقة. وبالتالي القضية الكوردية في سوريا تختلف اختلافاً كلياً عن قضية المكون الأرمني الكريم، لأن القضية الكوردية في سوريا هي قضية شعب يعيش على أرضه التاريخية.
خلاصة القول
من الطبيعي أن تشهد منطقتنا على غرار البلدان الأخرى تقدماً في مختلف المجالات كونها جزءاً من هذا العالم الذي تحوّل بفضل تقنيات الاتصالات إلى قرية صغيرة. وكون العولمة أصبحت تمتلك من الإمكانات لدرجة يصعب منعها من اجتياح ودخول أية منطقة أو منزل في كرتنا الأرضية. وبالتالي أصبح الجميع أمام تحديات وتأثيرات مفروضة رغماً عن إرادتنا وقناعاتنا، ووسائل الدفاع والممانعة أمام العولمة باتت ضرباً من ضروب الخيال، بالتالي علينا التعاطي مع التحديات الناشئة وعلى جميع الأصعدة، وتهيئة الذات للحفاظ على الوجود، وخاصة نحن أبناء الشعب الكوردي حيث عشنا عقوداً تحت تأثير ثقافي وإعلامي موجه، وإرهاب فكري منظم من جانب منظومة البعث. لذلك التهرب أو الهروب من هذه التحديات ليس حلاً، ولا بد من المواجهة، والمواجهة لا يمكن أن تكون بنفس الوسائل والأساليب الكلاسيكية، إذ لا بد من معرفة وتشخيص الذات، وتقويتها وتثقيفها وتنقية الخطاب والكتابة من الكثير من الشوائب أو المفردات التي تتم دسها في الميدان، وتتحول إلى جزء من خطاباتنا من حيث لاندري، وتترسخ في ذهنية شرائح واسعة من شعبنا بمرور الزمن، وتشكّل خطراً وجودياً. الخطورة هنا تكمن في تلقين المتلقي ونقله وتحويله لاحقاً إلى حامل للوباء الجديد والمصطلح الإشكالي وجعله واقعاً في سياق الحديث والخطاب من جانب المستهدف من حيث لايدري. ومثال ذلك نلاحظ أن شرائح لابأس بها من قيادات وكوادر المجلس الوطني الكورديENKS يستخدمون نفس مصطلحات ومفردات قيادات قسد ومسد وبقية هياكل ومسميات حزب العمال الكوردستاني لجهة تسمية كوردستان سوريا بـ " روج آفا " وغيرها من تلك المصطلحات المريبة!.
إذاً: علينا أن نعي تماماً بأن استخدامنا للمصطلحات يعني نقلنا لشحنة من المعلومات والتوجيهات للذين نستهدفهم في خطابنا، وبالتالي لكل مصطلح له معنى ومستوى ودرجة من التأثير والفعل في المتلقي، ولابد من التوقف على أهم العناصر المتعلقة بذاك المصطلح لجهة الشكل والمفهوم وميدان استخدامه، من هنا وجب الدقة ومعرفة أي نوع من المفردات يجب أن نستخدمها، وكيف نوظفها في سياق كتاباتنا وخطاباتنا. ومن جهة أخرى فإن الإمكانات المعرفية المتواضعة في بيئاتنا، تفرض علينا أن نشخص بدقة العلاقة بين المفاهيم العلمية، والمصطلحات اللغوية، وتركيبة مجتمعاتنا، والمسافة بينها وبين سويات العلوم والثقافة، لأن لكل مصطلح مفهوم ومدلول فكري، ووقع سياسي، وتأثير وتفسير قانوني محدد، وبالتالي نعبر من خلال المصطلحات عن حقائق وأفكار ورؤى ومواقف ومصالح تتعلق بوجود واستحقاقات الحاضنة المجتمعية التي ندّعي تمثيلها. ومن الأهمية التأكيد هنا بأن كل مايصدر من شخصيات معروفة من كتابات أو خطابات يجب أن تتصف بالموضوعية والدقة والمسؤولية والوضوح والسلامة اللغوية لأن لكل مصطلح في هذه الحالة له مدلوله وتفسيره وتأثيره.
وهنا سؤال يطرح نفسه بإلحاح شديد علينا جميعاً وهو:
من يقف خلف ضخ وإغراق مساحة التواجد الكوردي في سوريا بهذا الكم من المصطلحات المسمومة؟ وما المطلوب؟ وعلى من تقع مسؤولية المواجهة والتصحيح وفرض الالتزام ؟