منظمات المجتمع المدني الكوردي " الوهمية " المناضلة

منظمات المجتمع المدني الكوردي

بلند بشارالسينو

" منظمة وهمية " وبمفهوم مجتمعي جمعي مرادف تشير هذه التسمية إلى " عصابة مؤسسة للسرقة ولجمع الأموال " .
لقد درج استعمال هذا التعبير لوصف منظمات المجتمع المدني الكوردي غير المرخصة، وخاصة تلك المنظمات التي قام نشطاء الكورد من غرب كوردستان بتأسيسها سواء في الداخل أو في أماكن تواجدهم في الخارج.
عادة ما تتلقف المجتمعات من أفواه مثقفيها الكثير من التسميات والمفردات دون تمحيص أو تدقيق، وتتداولها وتسقط دلالاتها دون دراية أو تفكير بماهيتها، و لا يشذ المجتمع الكوردي عن تلك الحالة، فقد ارتبطت تسمية المنظمات الوهمية في مخيلة أبنائه بكل ما هو فاسد وما هو قميء فتم تصنيفها على أنها بؤر ومرتع للنهب والسرقة والارتزاق.
توصيف مثير يشير الى قصور النخب الكوردية في أداء واجباتها وممارسة مهامها الفكرية.
ان عدم إخضاع المختصين لهذه التسمية الإشكالية للمحاكاة العقلية والبحث المستفيض جعلها موطئاً لكل من هب، ودب للدلو بدلوه والتعبير عن رأيه فيما لا يفقه حتى وصل الأمر إلى حد الإفتاء بهدر سمعة نشطاء المجتمع المدني واعتبارهم هدفاً مستباحاً لا جدال ولا نقاش بشأن مصيرهم المحتوم.
" منظمات وهمية " سوف أناقش هنا هذه التسمية الاشكالية ودلالاتها ومآلاتها، و أحاول أن أذلل اللغط المثار من حولها ضمن فرضية اعتقد جازماً بخطئها نافياً صحة إطلاقها على منظمات المجتمع المدني غير المرخصة مفنداً اعتبارها دالة على عدم النزاهة وانعدام الكفاءة والفعالية والنشاط محاولاً إثبات خطأ القراءة الجمعية لمفهوم " المنظمات الوهمية " مسخراً جهدي مؤزراً بالحجة القانونية والمنطق لإثبات خطأ هذه التسمية وتصويبها لوجهتها المنطقية الصحيحة عبر ترسيخ الاسم الصحيح الواجب اعتماده بصددها الا وهو " منظمات المجتمع المدني غير المرخصة " للدلالة على المنظمات التي يقوم نشطاء المجتمع المدني الكوردي في غرب كوردستان بتأسيسها لممارسة دورهم الريادي في مجتمعاتهم في مسيرة العطاء والرقي.
وأجد لزاماً في مثار سعيي لتفنيد أس تلك التسمية ان أشير إلى مفاهيم متداولة راسخة اعتقد بخطئها الا و هي :
- المنظمة وهمية لأنها منظمة غير مرخصة .
- المنظمة وهمية لأن عدد أعضائها قليل، ولا يتجاوز عدة أفراد.
- عدد أفراد المنظمة محدود إذاً، فهي منظمة غير نشطة .
- إن دافع تأسيس المنظمات الوهمية هو جمع الأموال ونهبها.
نجد فوارق مهولة بين ما دعي بـ " المنظمات الوهمية " وبين " منظمات المجتمع المدني غير المرخصة " فآليت تحديد معالمها وإيراد بعضاً من السمات الجوهرية للمنظمات الوهمية والغرض المرجو من تأسيسها:
- عموماً يمكن للمنظمة أن تكون وهمية سواء أكانت مرخصة او غير مرخصة، ولكن غرض جمع الأموال يستوجب عادة ان تكون تلك المنظمة مرخصة بشكل اصولي لدى الجهات المختصة بما يمكنها من ممارسة أي نشاط مشبوه في جمع الأموال مستظلة بظلال القانون وسلطانه.
- لا يعتد بكون المنظمة مرخصة أوغير مرخصة للإقرار بأنها وهمية أو غير وهمية و انما يرتبط مفهوم وهمية المنظمة بمدى التزامها بتطبيق أهداف تأسيسها المعلنة من عدمها حيث ان عدم تسخير الأموال للأهداف المحددة في النظام الأساسي للمنظمة يفيد بوهميتها وكذلك حصولها على أموال غير مشروعة بقصد تبييضها يفيد بأن المنظمة بأصلها وهمية وقد أسست لغرض تبييض الأموال، اي أن معيار وهمية المنظمة من عدمها يتحدد من خلال تتبع درجة اتساق أهداف المنظمة المعلنة مع نشاطاتها الفعلية، فإن توافق نشاطها الفعلي المشروع مع أهدافها الحقيقية المشروعة فهذا يعني بأنها منظمة غير وهمية وإن خالف نشاطها الحقيقي أهدافها المعلنة المشروعة فهذا يعني بأنها منظمة وهمية انشئت كستار لغرض يخالف مبادئ تأسيسها.
إن مفهوم وهمية المنظمة يرتبط بطبيعة نشاطها الحقيقي ووجوده أصلاً، فلا يمكن تصوروجود منظمة تسعى لجمع الأموال دون استحصالها على الترخيص وإلا فإنها لن تتمكن من جمع الأموال بشكل قانوني وبسهولة ويسر ، إلا أن وهمية المنظمة في هذه الحالة تتأتى من تعمدها جمع الأموال بشكل مشروع لتسخيرها في غير مبتغاها المحدد في أنظمتها، كما تتحقق حالة وهمية المنظمة في صورة أخرى حين يعمد مؤسسوها إلى نهب تلك الأموال لحسابهم الخاص عبر اتباع وسائل احتيالية.
- و قد تتراءى الحالة التطبيقية للمنظمات غير المرخصة الوهمية على شكل منظمات يتم تأسيسها في العالم الافتراضي سعياً وراء خلق البلابل وإطلاق حملات التشويه ممنهجة تستهدف شخصيات أو كيانات أو دول او يكون الغرض من تأسيسها نشر فكر ما أو ايديولوجية معينة أو غير ذلك إلا أن تلك المنظمات بطبيعتها لا تملك من الأدوات ما يمكنها من جمع الاموال الا بأضيق الحدود وعبر انتهاج طرق احتيالية قد تكون من خلال جمع تبرعات بشكل سري أو باستخدام حسابات وهمية في وسائل التواصل الاجتماعي، وعملياً لا يمكن النظر إلى تلك المنظمات الا بوصفها أداة احتيالية، وسرعان ما يتم كشفها او كشف غاياتها مما يخلق نفوراً عاماً يحد من فعاليتها وأثرها.
استطراداً في مسار تذليل هذه الاشكالية المثارة موضوع هذا البحث المؤطر لا بد لي من التطرق الى كيفية تسجيل منظمات المجتمع المدني لدى الجهات الرسمية المختصة وسوف آخذ نطاقاً جغرافياً محدداً وأفراداً بعضاً من شروط تأسيس المنظمات غير الحكومية في إقليم كوردستان مما سيسهم في إجلاء الغموض والالتباس بهذا الخصوص:
تشترط دائرة المنظمات غير الحكومية حين تأسيس المنظمات غير الحكومية في اقليم كوردستان ما يلي :
1 – وجوب أن لا يقل عدد المؤسسين عن ثلاثة أعضاء، وتتمتع المنظمة بعد اكتمال أركان تأسيسها بالشخصية الاعتبارية المستقلة عن أعضائها وهنا نستخلص نتيجة مفادها ان القانون قد أقر بأن ثلاثة أعضاء هو عدد كاف لتأسيس منظمة غير حكومية .
2 – وجوب مسك المنظمة المزمع على تأسيسها دفاتر رسمية موثقة أصولاً لدى كاتب العدل مع وجوب ترقيم كافة صفحاتها ودمغها بختم الكاتب بالعدل بشكل يمنع حدوث اي تمزيق او تلاعب او تحريف في تلك الدفاتر.
3 – وجوب فتح حساب مصرفي باسم المنظمة أصولاً.
4 – تلتزم المنظمة حين تجديد ترخيصها على أن تتقدم لدائرة المنظمات غير الحكومية بموازنة عامة أصولية عن السنة المالية الفائتة وبأن تكون تلك الميزانية معدة من قبل محاسب قانوني معتمد، وأن يتم تصديقها بشكل أصولي من قبل دائرة المحاسبين القانونيين.
5 - تقوم دائرة المنظمات غير الحكومية بتدقيق كافة سجلات المنظمة وميزانيتها العامة، وتقوم بجرد تجهيزاتها ومعداتها وأصولها وتدقيق كافة أنشطتها و ونفقاتها ومصاريفها، وتفاصيل حسابها المصرفي وكل متعلقات المنظمة ليتم تجديد الرخصة لسنة إضافية بعد التوثق من صحة مجمل البيانات ومطابقتها .
سأكتفي هنا بهذا الاستعراض وسأنتقل الى مناقشة اشكالية البحث من خلال ما ورد من معايير قد تم إدراجها أعلاه محدداً مبادئ أقر القانون بها في هذا الشأن:
المبدأ الاول:
- يعترف القانون بالشخصية الاعتبارية مقراً بكفاية ثلاثة أفراد لاتمام عملية التأسيس ودون أن يشترط اضافة أي أعضاء جدد للمنظمة.
النتيجة : لا صحة لأي ادعاء يفيد بأن قلة عدد أعضاء المنظمة يدل على وهميتها او على عدم كفاءتها أو اعتبار العدد سبباً معيقاً لفاعليتها او لنشاطها .
المبدأ الثاني:
- لا يمكن للمنظمة غير المرخصة ان تستلم اي مبالغ بحكم القانون مما يؤدي لاستنتاج منطقي يفيد بالارتباط المفصلي للدعم المالي بحيازة الترخيص حيث لا دعم مالي يقدم جزافاً و إنما يتم عبر إيداعه في الحساب المصرفي للمنظمة والذي يخضع لرقابة مالية رسمية مشددة من قبل دائرة المنظمات غير الحكومية مما ينفي أي إمكانية لحدوث اي تلاعب او نهب للاموال و بشكل يمكن من المحاسبة والعقاب في حال حدوث اي خرق او تجاوز .
النتيجة : يخضع دخول الأموال إلى حساب المنظمات لميكانيزما محددة تحجب إمكانية التلاعب بمآل الأموال او اختلاسها دون عواقب قانونية صارمة ولا تعتبر منظمات المجتمع المدني المرخصة وغير المرخصة بيئة آمنة لاختلاس الأموال حالها حال اي هيكلية خاضعة للرقابة و المحاسبة.
المبدأ الثالث :
- يحظر على أي منظمة غير مرخصة أصولاً أن تقبض أو تستلم أي مبالغ تحت أي ذريعة أو سبب و لا أن تجمع اي تبرعات باسم المنظمة وحتى من أعضائها بأي حال من الأحوال.
النتيجة:
إن المنظمات غير المرخصة لا تمتلك إمكانية جمع وسلب الاموال الا ضمن نطاق محدود جدا و بشكل يعاقب عليه القانون .
إذاً: ما هو سبب اقدام الأفراد ( النشطاء الكورد ) على تشكيل تلك المنظمات غير المرخصة؟
إن الاجابة على هذا التساؤل تستند الى عدة اعتبارات أهمها:
- عدم توفر الامكانات الواجب توافرها وخاصة المالية منها للاستحصال على الترخيص.
- نقص الأموال - حجب الدعم والتبرعات .. الخ
- لجوء نشطاء المجتمع المدني الكوردي الى تشكيل المنظمات غير المرخصة مدنيين نتيجة عدم رغبتهم في الانخراط ضمن الأطر السياسية فشكلت تلك المنظمات سبيلا ميسوراً يمكنهم من المشاركة في الحياة العامة وكوسيلة متاحة للتعبير عن آرائهم و كآلية تمكنهم من دعم تطلعات شعبهم والتفاعل مع قضاياه بشكل ملموس معلن.
- بقصد حضور الاجتماعات وعقد الندوات وتلقي الدعوات لحضور الندوات والفعاليات المختلفة المحلية والإقليمية والدولية.
- سبيل متاح للتعبير عن آلام شعبهم و شجب الممارسات التي تجري بحقه والمساهمة في نشر الوعي و الأفكار وإعداد الدراسات والبحوث و نشرها والدعوة للحشد والمناصرة او عبر اصدار البيانات او التصاريح وغير ذلك من الاساليب النضالية المدنية .
- كوسيلة قد يستغلها البعض للتسلق والوصول الى مآرب شخصية ولأغراض متعددة منها حب الظهور او لتأمين حيز جماهيري والتأثير عليه او لاثارة الرأي العام الكوردي في قضايا محددة او لمواجهة أجندات معادية او الوقوف بوجه شخصيات اشكالية محددة .

الخلاصة:
يعود عدم ترخيص المنظمات لاعتبارات عديدة أهمها عدم توفر الإمكانات المالية مما دفع نشطاء المجتمع المدني الكوردي إلى إيجاد بدائل في متناول اليد و لا تحتاج الى الكثير من الإمكانات، وتعتمد على العقل والحبر والورق وعلى وسائل الاتصالات الحديثة، وهي متوفرة في متناول الغالبية العظمى، وقد صاحبت مسألة عدم الترخيص بزوغ أولى محاولات المجتمع المدني السوري ترتيب صفوفها، واستمرت إبان حكم نظام البعث بسبب التضييق ووضع العراقيل والممارسات الاستبدادية التي مارسها النظام بحق معارضيه سواء بما يشمل الأطر المدنية والسياسية المعارضة على اختلافها حتى أن مجمل أحزاب الحركة السياسية الكوردية منذ نشوئها وحتى الآن هي ليست مرخصة كحال حراك المجتمع المدني السوري إلا ما ندر ولفترات محدودة، و مع بدء الحراك الشعبي، وانطلاق الثورة السورية فقد اتسع المجال لنشطاء المجتمع المدني لتشكل أدواتهم فتم الإعلان عن تنسيقيات الثورة السورية والتي هي بطبيعة الحال غير مرخصة، ولم يطرح ملف ترخيص منظمات المجتمع المدني السوري والكوردي على وجه الخصوص إلا بعد دخول السوريين معترك اللجوء بما مكن من ترخيص بعض تلك المنظمات وفقا لقوانين البلد المستضيف وضمن نطاق محدود وتبعاً لطبيعة تلك التشكيلات ومتطلبات عملها ونشاطها.
إن التركيز على الحصول على الترخيص من قبل منظمات المجتمع المدني العاملة في إقليم كوردستان وربط كينونتها بوجوب الترخيص يقودنا الى مفارقة عجيبة تفضي نتيجة مفادها ان كافة الأطر المعارضة السورية كانت عبارة عن أطر وهمية على اعتبار أنها لم تكن مرخصة و لا في يوم من الايام و ان اطلاق سيل الاتهامات والشبهات على المنظمات غير الحكومية غير المرخصة يأتي ضمن حملات التشويه و الاعاقة وتصيب بنية المجتمع المدني السوري بمجمله في مقتل، ويخرجه من وضع الضحية، ويضعه في موضع الاتهام بينما إن مجمل الحقائق تؤكد على ان المجتمع المدني السوري هو عمود التغيير والبناء والأمل الذي ستبنى عليه كل رهانات النجاح، وإن محاولات بعض الجناة تأليب الرأي العام الكوردي ضد النشطاء الكورد هو عمل مدان يستهدف هدم المجتمع الكوردي و تمزيق أوصاله عبر ضرب النخب الكوردية الفاعلة النشطة بوصفها الحامل التقليدي للاصلاح والتطور والرقي والتي لم تتوانَ في تقديم التضحيات لأجل شعبها وحقوقه الانسانية والقومية المشروعة.
إن الهجمة الهمجية الشرسة التي يشنها دعاة النزاهة ليست إلا محاولات للتحييد المتعمد لنشطاء المجتمع المدني الكوردي، وذلك تحت عنوان " المنظمات الوهمية " ويعتبر هذا السلوك سلوكاً إجرامياً ممنهجاً بحق الشعب الكوردي الذي عانى من الاقصاء والتغييب لعقود طويلة من قبل أنظمة حاكمة متعاقبة حاولت وبشتى الوسائل النيل من وجوده وحرمانه من أبسط حقوقه الأساسية، فمنعت عن أبنائه حتى تملك ارث آبائهم وأجدادهم تحت يافطة وجوب الحصول على الترخيص القانوني، تلك الممارسات المقيتة لم تمنح الكورد الا تراخيص قتلهم وترويعهم والزج بهم في غياهب السجون والمعتقلات.
إن الحملات الشعواء التي تقودها شريحة حاقدة موتورة كوردية معروفة عبر ازلامها بحق نشطاء المجتمع المدني الكوردي بقصد تشويه صورتهم الجمعية و تحييدهم وابعادهم عن مضمار عملهم ليست إلا خدمة لاعداء الكورد للجم اي أمل أو بريق نور قد يتأتى من كفاحهم، وعنائهم في سبيل رفعة شعبهم وإن الاصرار على نعت منظمات المجتمع المدني غير المرخصة بـ " الوهمية " هو جحود وإنكار وتضليل ونفاق وإعدام لأي قدرة على النهوض والارتقاء إلا أن تلك الافعال و التي تمثل جريمة كاملة مستكملة لأركانها لن تمر مرور الكرام، وسنعمل على تجميع وأرشفة مجمل أدلة الادانة بحقهم حتى يتسنى للقانون أن يفصل في أمرهم ويذيقهم من شر ما فعلت وتفعل أيمانهم بما يجعلهم عبرة للمارقين الحاقدين.