أدلجة الحروب ...عادة قديمة
صالح محمود
عندما غزا الأوروبيون هذه المنطقة في القرون الوسطى، غزوها وعلى صدورهم الصليب، لقد قدموا إلى هذه المنطقة تحت ذريعة أنّ مسيحيي الشرق يتعرضون للظلم ويلاقون الضيم على يد المسلمين وبذلك فهم مُعرّضون للإبادة، وأنّ بيت المقدس أورشليم - موطن المسيح - مُهدّد بالدمار، لقد كان في أوروبا آنذاك مجموعات بشرية مفوّضة و مدعومة من الكنيسة مهمتها إقناع الناس وتجنيدهم في الحملة المتوجهة إلى الشرق ، وكان بطرس الناسك واحداً منهم وهو راهبٌ هجر الكنيسة بتكليف من البابا ليكون أحد دُعاة هذه الحملة الصليبية، ورغم أنّه كان ذا هيئة زريّة، إذ كان رثّ الثياب، وبينه وبين حماره شبه كثير، إلّا أنّه استطاع بفصاحته وبراعته اللغوية أن يسحر ألباب الفقراء ويستميل قلوبهم حيثما حلّ، فكان الفقراء والبسطاء من الناس يتسابقون لنزع شعرات من جسد وذيل حماره المسكين طلباً للبركة، لقد أخذ بطرس الناسك يقوم بدور الواعظ الجوّال ولقّب بنبيّ الحروب الصليبية ، لقد كان هذا الناسك خطيباً قوياً ومتفوّهاً أفلح في إقناع الناس ونجح في تحريضهم على المسلمين، وبذلك يكون الأوربيون قد روّجوا كثيراً لحربهم، وأسّسوا لعقيدة وبنَوْا إيديولوجيا لحربٍ لم يقوموا بها بعد.
وحين نستحضر الحملة الفرنسية على مصر نجد أنّ نابليون قد دخل مصر وهو يرتدي لباس المخلّص والمنقذ لشعب مصر، حيث ادّعى أنّه اتى لينقذ الشعب المصري من جور وظلم المماليك، مع أنّ مطامعه في مصر وأرضها وثرواتها كانت مؤكدة، وقد انطلت الحيلة في البداية على عامة الشعب في مصر وخاصة النخبة الدينية، ولكن مع الأيام انكشف أمر نابليون ولاقى مقاومة من أبناء مصر الغيورين .
أمّا اليهود فقد فعلوا الأفاعيل عندما أرادوا أن يبنوا لهم وطنا في فلسطين، حيث ساقوا آلاف الحجج والبراهين ليثبتوا أنّ لهم الحق في استرجاع فلسطين التي كانت مملكة لأجدادهم-حسب زعمهم- مملكة داوود، وادّعوا إنّها أرض الميعاد ، لقد وضع اليهود عناوين عريضة لحملتهم وأسسوا أيديولوجيا وعقيدة أرادوا منها إقناع يهود العالم بشرعية مطالبهم وبأحقيتهم بفلسطين من العرب والمسلمين.
.ولعل الألمان كان لهم الباع الاكبر في هذا المجال فهتلر قبل أن يغزو أوروبا اقنع الألمان بأنهم أبناء العرق الأصفر وبأنهم آريون متميزون عن سائر الأعراق الأخرى، ومتفوقون على كل الاجناس والأمم ،ولذلك هم وحدهم يستحقون حكم العالم وقيادته ،إذاً أية حرب تسبقها مرحلة التهيؤ الذهني تُديرها الحكومات من خلال صياغة مجموعة أفكار تهيمن على عقلية الشعوب وتحّفز الجيوش إلى ساحات الوغى، وتؤهلهم ليصلوا إلى حالة من القناعة والإيمان بأن حربهم مشروعة ويتحتم عليهم القيام بها.
.وقبل أيّام قام الروس بحملة على أوكرانيا بحجة أنّ الأوكرانيين نازيون جدد وقوميون متشددون يكرهون الروس القاطنين في أوكرانيا، ويمتلكون مختبرات بيولوجية اذا هم لم يقوموا بتدميرها بضربة استباقية فسوف يدمرون روسيا ويهلكونها بالحشرات الضارة، وهكذا هاجم الروس أوكرانيا تحت هذه المزاعم، ولكن الواقع يؤكّد لنا أنّ الأسباب مختلفة والحقيقة غير ذلك، وأنّ مثل هذه المزاعم كما غيرها -عبر التاريخ- ما هي إلّا إطار أيديولوجي يؤسّسه كلّ من أراد شنّ حرب