الناقد الإلكتروني.. وغياب النقد
إبراهيم اليوسف
مؤكد أن هذا العنوان الذي جاء تحته هذا العمود الصحفي، يحيل إلى دلالات عديدة لدي، ولدى المتابع الكريم، لاسيما أن موعد نشره يتزامن مع بدء فعاليات ومهرحانات شعرية افتراضية ما بعد سقوط سطوة بعبع كوفيد التاسع عشر، وحتى مهرجانات واقعية فيزيائية هنا وهناك، وتشارك في كل منها كوكبة من الشعراء، وفي ظل غياب النقاد.
ولعل من أول دواعي ذلك، ما قد يحيل إليه العنوان على نحو مباشر، وهو عدم إمكان خطاب نقد الشعر أن يكون في مستوى تحوُّلات اللحظة الشعرية، ولاسيما في ما إذا علمنا أن هناك تطورات هائلة تتم من حولنا، بعد ما أفرزته ثورة التكنولوجيا والاتصالات في حيواتنا، وباتت النصوص المكثفة واقعاً يومياً، بعد أن عرفت، من قبل، على أيدي شعراء عالميين كثيرين، ضمن خرائط لغاتهم الشعرية
قبل كل شيء، إذا كنت قد أشرت إلى غياب الناقد، بعد التحولات الكثيرة التي جرت في العالم كله، وسقوط آلة الرقابة، منذ أن غدا في إمكان أي ناص أن يكون ناشراً، ويطلق نصه المدون، بعد الانتهاء من كتابته، بمجرد الضغط على زر"Enter"في لوحة مفاتيح كيبورد الكمبيوتر، أو بديله في وسائل الاتصال الأخرى:الهاتف أو الآيباد..إلخ، ما جعل مهمة الناقد تتضاعف، وتتفاقم، وقد تعقدت المشكلة-بأكثر- بعد أن اتسع الفضاء الافتراضي، وبات في إمكان أي مبحر في لجج هذا المحيط الألكتروني أن يترك أثره الكتابي، الملتبس بالشعر، بل استنساخ ما هو إبداعي من النصوص الشعرية، غفلاً من أسماء منتجيه، وهو ما يربك مهمة الناقد الحصيف.
طبيعي، أن للناقد الذي بات يغيب شجونه الخاصة، حيث أن اللامبالاة بخطابه، وبحضوره يظهرا في رأس القائمة، في مثل هذه الجردة الحسابية، أو المحاكمة، العاجلة، ولاسيما في الزمن الداعشي الذي غدا فيه الإبداع تهمة، واستهدفت فيه حتى أضرحة المبدعين، وتماثيلهم، ونصوصهم، ولقد عبرالناقد د. محمد صابرعبيد ابن الموصل، في مقال له نشره في إحدى الصفحات الثقافية العربية، عن إهمال مبدعينا، وهو ينطلق من واقعة معاناته الخاصة بعد أن لاذ وأسرته بالفرار، من شرورهؤلاء الأفاكين، وباتت مكتبته، وبيته، وجامعته، تحت رحمة هؤلاء، بعد أن اضطرإلى اللجوء في بلد مجاور، مطلقاً سؤاله الأليم، حول عدم استذكاره، ولاسيما من قبل من سلط الضوء على نتاجاتهم، وفي هذا مايدل على غبننا بحق ناقدينا، كمتلقين للإبداع، أو كمنتجين له.
إن الحاجة إلى الناقد، الفاعل، المنصف، باتت جد ضرورية، في ظل هذه النصوص الهائلة التي تندلق من شاشات هواتفنا، وكمبيوتراتنا، وتلاحقنا أنى حللنا، وبينها السمين القليل، إلى جانب الغث الهائل، وأنه من اللزام ليس فقط تسليم الضوء على ماهو متفرد من بينها، بل واستقراء تحولات اللحظة الشعرية، وإعداد ورش نقدية، بل وإعداد مؤسسات نقدية عاملة.......، لاسيما في ظل واقع فرض نص جديد، نفسه، وشقه الطريق، عبر ولادة قد تكون عسيرة، لأول وهلة، وقد تؤدي التراكمات الكمية في المنتج الشعري إلى واقع كيفي، وهوما يمكن إدراكه ونحن نشهد وقائع انحسارالنصوص المطولة،وغياب النصوص الملحمية، بل وعودة المعرفي، وسقوط الغموض، رغم أنه في حدوده الطبيعية، من إلماعات النص الشعري حقاً.