إقليم كوردستان وأزمة المعابر
دوران ملكي
إن تطبيق قانون الحظر الجوي من قبل مجلس الأمن الدولي على خط العرض 36 شمال العراق و23 جنوب العراق في عام 1991، بعد الإنتهاء من حرب الخليج الأولى أصبحت كوردستان الجنوبية شبه مستقلة بمحافظاتها الثلاث والتي تسمى الآن حدود 2003، والذي يتضمن معبرين أساسيين هما معبر إبراهيم الخليل بين إقليم كردستان وتركيا ومعبر حجي عمران بين إقليم كردستان وإيران، بالإضافة إلى معبر فيشخابور سيمالكا بين إقليم كوردستان وسوريا والذي أنشئ إبان الثورة السورية في 2013. حاولت تركيا مراراً وتكراراً تغيير إتجاه القوافل وإغلاق معبر إبراهيم الخليل وتحويلها إلى المناطق التي تحت سيطرة الحكومة العراقية آنذاك حتى وصلت الحد بها إلى الطلب من صدام حسين بغزو الشريط شرق نهر دجلة وضمه إلى سلطة بغداد، ولكن المحاولة باءت بالفشل نتيجة الحظر الجوي المفروض وبسالة البيشمركة والتصدي للجيش العراقي وإجباره على الإنسحاب وبعدها إتفق النظام السوري والنظام التركي على إنشاء أسواق حرة في كل من معبر تل كوجر(اليعربية) ومدينة نصيبين التركية، وفتح طريق يربط السوق الحرة في نصيبين مع معبر تل كوجر عبر الأراضي السورية ومن ثم إلى الأراضي العراقية التي كانت تحت سلطة صدام حسين، ولربما تأخر التنفيذ بسبب الضغوطات الأمريكية والغربية.
بالإضافة إلى قانون النفط مقابل الغذاء اعتبر معبر إبراهيم الخليل شريان الحياة في إقليم كوردستان في فترة قطع رواتب موظفي إقليم كوردستان من قبل سلطة المقبور صدام حسين. أدركت الحكومة الإيرانية بأنه حجم الإيرادات التي تصل إلى الحزب الديمقراطي الكوردستاني أكثر بكثير من الإيرادات التي تصل إلى حلفائها في الإتحاد الوطني الكوردستاني من معابرها مع إقليم كوردستان، فقامت ببث بذور الفتنة عن طريق عملائها في حزب الإتحاد الوطني وحدث ما حدث من إقتتال للإخوة بين الحزبين الرئيسيين والذي لم يندمل جراحها إلى الآن.
إن غاية جميع الدول الغاصبة لكوردستان هي القضاء على إقليم كوردستان العراق وشرعيته كإقليم فيدرالي معترف به دوليا ومحلياً، لأن هذه الدول تخشى تأثير إقليم كوردستان على أوضاعها الداخلية، وتتحرك المشاعر القومية الكوردية في دولها وخاصة أن قيادة الإقليم المتمثل في شخص الرئيس مسعود البارزاني له نهج قومي وطني تحرري ثابت في كافة أجزاء كوردستان المغتصبة.
مهما كانت خلافاتهم عميقة تتفق الدول الأربع على كسر شوكة الإقليم وتجويعه ووضعه تحت الحصار، واستطاعت الأنظمة الغاصبة من إعادة قوات البيشمركة من الحدود التي رسمها بالدم مع داعش إلى حدود 2003 ، نتيجة تواطؤ عملاء إيران في السليمانية وتسليمهم مدينة كركوك للحشد الشعبي بمساعدة أيران وتركيا وبالتواطؤ من الرئيس الأمريكي الذي لم يكن يفقه من السياسة بشيء دونالد ترامب سوى جمع الأموال والسيطرة على منابع النفط، وبذلك تمت السيطرة على المناطق المتنازع عليها وتسليمها إلى الحشد الشعبي ومليشيات حزب العمال الكردستاني في سنجار، وكانت الغاية الأساسية هي فتح معابر أخرى خارج حدود إقليم كوردستان الإداري، ولكن بتغيير وجهة الحكومة العراقية وإتفاقها مع حكومة إقليم كوردستان لطرد الميليشيات الخارجية من سنجار والدخول الحقيقي للشرطة العراقية إلى مدينة سنجار أدت إلى تأجيل المشروع، وبقيت في إطار تهريب البضاعة بين الميليشيات الشيعية والإدارة الذاتية في شرقي الفرات.
بعد دحر التنظيم الإرهابي في آخر معاقله في منطقة الباغوز، وتصريحات الرئيس الأمريكي الإرتجالية في الإنسحاب من سوريا أدى إلى تكالب القوى الغاصبة لكوردستان من جديد للسيطرة على مناطق النفوذ الأمريكي، حيث هاجمت تركيا مع مرتزقتها السوريين مناطق رأس العين وتل الأبيض، واستطاعت أن تطرد قوات سوريا الديمقراطية منها، واستطاع النظام السوري وبمساعدة الشرطة العسكرية الروسية من إختراق الخط الأحمر والدخول إلى شرق الفرات والضغط على قوات سوريا الديمقراطية لتسليم المناطق الحدودية بعمق 30 كيلو متر إلى الجيش السوري حتى ضغطت الدوائر السياسية وصناع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية على الرئيس دونالد ترامب وأجبرته على تغيير مواقفه والتراجع عن انسحاب القوات الأمريكية.
تغيرت موازين القوى في المنطقة وبات الروس حاميي النظام يضغطون لبسط سيطرته على كامل الأراضي السورية، لذلك يصر ويهدد ويستخدم الفيتو في مجلس الأمن الدولي ضد فتح معبر تل كوجر أمام المساعدات الإنسانية المقدمة من المنظمة الدولية أسوة بباقي مناطق شمال سوريا، ويصر على إغلاق جميع المعابر ومن ضمنها معبر نصيبين -القامشلي ومعبر سيمالكا لكي يبقى الشعب الكوردي وباقي أطياف الجزيرة تحت رحمة النظام في دمشق، فكان لابد من فتنة تؤدي إلى إغلاق المعبر بين إقليم كوردستان وكوردستان سوريا، والتي يسعى الإدارة الأمريكية وإقليم كوردستان العراق إلى إحداث مصالحة بين الأطراف الكوردية وإحداث نوع من التكامل الإقتصادي لإنقاذ سكان المنطقة وإحداث نموذج سوريا مصغرة ديمقراطية لحين البت في الوضع السوري دولياً.
إن الإدارة الذاتية في شرق الفرات كانت وليدة الظروف الآنية إبان ثورة الشعب السوري على نظام بشار الأسد، ونتيجة لإستنجاد النظام بحزب العمال الكوردستاني التركي وبمساعدة الحرس الثوري الأيراني وتسليمهم المنطقة لكي يتفرغ جيش النظام إلى المناطق الأكثر أهمية والتي تسمى (سوريا المفيدة)، وبموجبه تم نقل كوادر وقسم من المقاتلين الكورد السورييين والمنضوين تحت أمرة حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل إلى كلٍ من سنجار ومناطق كوردستان سوريا، وتم الإستلام والتسليم في وضح النهار، وانسحب الجيش السوري من أغلب المناطق بإستثناء منطقتين صغيرتين هما المربع الأمني في الحسكة والقامشلي ومطار القامشلي الدولي، وتم تشكيل الإدارة الذاتية من حزب الاتحاد الديمقراطي الموالي لحزب العمال الكردستاني وبقايا حزب البعث والعشائر العربية التي أمرتهم قيادة بشار الأسد بالإنخراط فيها والتيارات المسيحية الموالية للنظام السوري واستبعد منها جميع الأحزاب التي دعت إلى أسقاط النظام.
مع دخول القوات الأمريكية إلى المنطقة لمحاربة داعش تشكلت فئة من هذه الإدارة دعت إلى ربط مصيرها مع الإدارة الأمريكية واصبحوا قوة لا يستهان بها، وتنشط أكثر ببقاء القوات الأمريكية في المنطقة، وتحاول السيطرة على واجهة القرار السياسي مما تصطدم في كثير من الأحيان مع قرارات قيادة قنديل الراعي الأول للإتفاق مع النظامين السوري والأيراني.
عندما أسس حزب العمال الكردستاني فرعه في سورياpyd ، اسس إلى جانبه منظمات مستقلة مرتبطة بقنديل مباشرة وهي منظمة الشبيبة الثورية السورية (جوانن شورشكر) ومنظمة المرأة الكردستاني وفرعها العسكري ypj، فعندما يجبر حزب الإتحاد الديمقراطي على الإلتزام بقرارات الإدارة الذاتية تدفع قنديل بمخالبها لتعكير الأجواء وإحداث الشغب والقلق والقتل وإختطاف الشبان والشابات القاصرات والهجوم على مكاتب الأحزاب المعارضة للإدارة الذاتية وحرق مكاتبها وإعتقال قياداتها والتعدي على الحرمات الوطنية والرموز القومية كعلم كوردستان وصور زعيم الأمة الكوردية (الملا مصطفى البارزاني) وخاصة في فترة المفاوضات التي كان يشرف عليها مسؤولو الإدارة الأمريكية لِـ لم شمل الأطراف الكوردية وتشكيل إدارة جديدة من كافة مكونات المنطقة، وبما أن معبر سيمالكا هو شريان الحياة ويخدم استقرار المنطقة، تسعى الأنظمة الغاصبة وروسيا إلى كسر هذا الاستقرار عن طريق حزب العمال الكردستاني المتواطئ مع جميع الأنظمة الغاصبة دون استثناء بما فيهم النظام التركي الذي يدّعي محاربته، ويسعى الحزب جاهدا إلى إغلاق المعبر ووضع اللوم على قيادة الإقليم. إذ يقوم ومنذ زمن بدفع شبيبته ومنظماته الرديفة إلى حدود إقليم كوردستان أحيانا تحت ذرائع مواجهة الحدود المصطنعة وأحيانا أخرى تحت ذرائع متعددة تخلقها حزب العمال الكردستاني ليتسنى لهم إغلاق المعبر وفتح معابر مع الحشد الشعبي في مناطق سنجار، وبذلك يتم تضيق الخناق على إقليم كوردستان وإجبار الإدارة الذاتية على الخضوع للنظام السوري وإقامة الإتفاقات معه برعاية روسيا على هامش بسيط من الحقوق قد لا تساوي قطرة دم واحدة من شهيد كوردي دافع عن هذه الأرض.
لذا نهيب بقيادة إقليم كوردستان وشخص الرئيس مسعود البارزاني للتدخل وفتح المعبر لدحر مخططاتهم، لأنهم آخر ما يفكرون فيه هو مصلحة الشعب الكوردي وسلامة منطقته وهم أدوات بيد الأنظمة الغاصبة في جميع أجزاء كوردستان، والخاسر الأول والأخير هم الشعب الكوردي وباقي مكونات المنطقة.