اللاحرب واللاسلم في سوريا إلى أين؟

اللاحرب واللاسلم في سوريا إلى أين؟

عبداللطيف موسى

مفاهيم ومصطلحات تجسد حجم المعاناة لدى الشعب السوري طيلة سنوات أزمته، اللاحرب واللاسلم هي الخلاصة المأساوية التي عبر عنها مبعوث الأمم المتحدة في جلسة مجلس الأمن، والتي تم انعقادها مؤخراً بشأن الأزمة السورية. الإستمرارية في الأزمة السورية عكست حجم الإخفاق لدى جميع القوى العالمية والفاعلة في ذلك الصراع. قبل البدء الخوض في أزمة الشعب السوري وحجم المعاناة والإخفاق الأممي لإيجاد حل لها، وحجم الصراع لدى تلك القوى في هذا البلد.
لا بد لي أن أضع بين أيديكم مصطلحات الحرب واللاحرب والسلم واللاسلم والتي أثرت بشكل كبير على جميع المتابعين والمهتمين بشأن الأزمة السورية. الحرب هي الصراع بين دولتين لتحقيق مكاسب سياسية واقتصادية تتجسد في رسم جغرافية تناسب حجم الإشتباك، وتنتهي بتوسيع أو إعادة رسم الجغرافية بين المنتصر والمنهزم، وفي هذه الحرب يكون الإشتباك والأزمة بين البلدين قصيرة الأمد نتيجة تدخل دول أخرى في إيقاف هذا الصراع بمعاهدات دائمية. السلم يكون على شكل تفاهمات ومعاهدات يتم إبرامها بين الدول المتصارعة، وتكون طويلة الأمد، ليست بالضرورة أن تحقق مصالح الدولتين المتصارعين، ولكن الأهم في ذلك أنها تحقق الاستقرار وتكون بمباركة دولية، كالحرب بين باكستان والهند والكوريتين ودول أخرى. اللاحرب واللاسلم تعبر عن حالة من الجمود وإطالة أمد الصراع بين الدول والشعوب، وفي الحروب الأهلية التي تؤدي إلى النزيف البشري والاقتصادي، وخرق جميع أشكال السيادة وتفكيك بنية المجتمع والدولة الواحدة نتيجة مصالح الدول الفاعلة في ذلك الصراع. هذه الحالة التي جسدتها الأزمة السورية بكل مقاييسها، والتي دفع ومازال يدفع ثمنها الشعب السوري من أصالته وهدم مجتمعه وتفكيك بنيته وثقافته، وخلق واقع لا يناسب الواقع السوري، وتحريف لحضارته وتعايشه السلمي.
إنه صراع المصالح في حسابات الربح والخسارة وزيادة المكاسب وتصفية المصالح على الأرض السورية، وخطط بعض الدول والمجتمعات في تأهيل مجتمعاتها وإعادة حيويتها عبر فتح باب اللجوء والتوطين بلا شروط للشعب السوري مستفيدة من ثقافة وأخلاق الشعب السوري في إعادة هيكلية تلك الشعوب، أجل أنها صراع المصالح التي أدت إلى إطالة الأزمة السورية عبر الإخفاق السياسي في إيجاد حل ينهي معاناة السوريين. بدأ التعبير الواضح عن صراع المصالح في سورية، الأمر الذي لمسه الشعب السوري في التدخل الإيراني في الأزمة السورية عبر مسميات وشعارات طائفية ومذهبية، محاولة تحقيق مصالحها ومشاريعها على الأرض السورية في ما يسمى الهلال الشيعي، ونقل صراعها مع اسرائيل إلى الأرض السورية. كذلك التدخل التركي الأكبر عبر إبرام إتفاقات خفية مع دول عالمية لإحتلال وإقتطاع أراضي من الجغرافية السورية، ونقل صراعاتها الإقليمية إلى سورية وتصفية حساباتها وتصدير مشاكلها الداخلية إلى سورية تحت حجج مكافحة وملاحقة الإرهاب في سورية. الروس حددوا شكل دخولهم المباشر إلى الأزمة السورية بالاصطفاف إلى جانب الحكومة في دمشق محاولين إعادة إحياء إمبراطورتيهم القيصرية، وأمجاد الاتحاد السوفييتي، كون فقدانهم لسورية تمثل فقدان آخر قلاعهم في البحر المتوسط. الأمريكان دخلوا الأزمة السورية من باب مكافحة الإرهاب وحماية منابع الطاقة لتمويل تدخلهم وللإضفاء الشرعية على مصالحهم. تلك التدخلات في الأزمة السورية مثَّل وجسَّد صورة عن حرب في المصالح وتصارع القوى العالمية في هذا البلد. أمام هذه الكم الهائل من شكل الصراع العالمي في سورية كان لابد من ظهور مصطلحات اللاحرب واللاسلم عبر إطالة أمد شكل الصراع وتصفية الحسابات. كل هذا جسده ومهد له الإخفاق السياسي في جميع مراحله بدءًا من مؤتمرات جنيف بكل مراحلها وسوتشي بكل سنواتها، هذا الإخفاق الذي لا ألوم فيه القوى العالمية ومصالحها لوحدها بل يقع القسم الآخر على المعارضة السورية والحكومة الذين أتاحوا الفرصة تلو الفرصة لتلك الدول لاستغلالهم في صراعتهم، وإبعاد كل الإمور التي تقربهم من التفاهم في وضع حد لشكل هذه النزاع والصراع في سورية. المعارضة المشتتة والمخترقة من الإستخبارات الدولية، والتي تفتقر إلى رؤية شاملة في طرح مبادئ ورسم الأطر، والعجز في تقديم حلول تناسب حجم طموحات وتضحيات الشعب السوري. كذلك الحكومة التي استعملت منطق حسم الصراع عسكريا والتي فشلت في تحقيقه إلى الآن، وكانت البيئة الهشة للدول الإقليمية والعالمية في استخدامها للفتك بشعبها وتنفيذ أجندات تلك الدول.لا بد من إنهاء حالة الاستمرارية في الأزمة السورية وإيقاف منطق اللاسلم واللاحرب الذي يدفع ثمنه الشعب السوري. إذ لا بد للمعارضة والحكومة السورية في وضع حقوق الشعب السوري والثوابت القومية والوطنية السورية فوق أي اعتبار، والإبتعاد عن الثقافات والمشاريع التي لا تناسب الواقع السوري، عبر إيجاد تفاهم ينفذ المرحلة الإنتقالية للوصول إلى استقرار سياسي تمهيدا لرسم ملامح سورية المستقبلية التي تناسب جميع مكوناتها وتعيدها إلى ألقها وتاريخها الحضاري في التعايش السلمي. الدول العالمية مطالبة بالإيفاء بإلتزاماتها أمام الشعب السوري بموجب المواثيق والمعاهدات الدولية في حق الشعوب في تقرير مصيرها ومبادئ الديمقراطية العالمية، وإبداء الرغبة الصادقة والحقيقية في إيجاد حل للأزمة السورية عبر منابرها الدولية وإنهاء حالة اللاحرب واللاسلم التي لم تعد تناسب وحجم ومعاناة الشعب السوري، وإيجاد حل شامل للأزمة السورية عبر إشراك جميع مكونات السورية في رسم سوريا المستقبلية التي تضم جميع مكوناتها وتكون عامل الأمن والأمان والإستقرار في المنطقة.