رواية إبراهيم اليوسف الجديدة.. اختزال لثنائية الغربة والاغتراب ( 2-2)

رواية إبراهيم اليوسف الجديدة.. اختزال لثنائية الغربة والاغتراب ( 2-2)

صديق شرنخي

إذاً نحن أمام الخيط الممتد من بدايات تكون وعيه الأول وحتى الآن، أما الشخصيات الرئيسية الأخرى في الرواية أي رواية لديه فهي بمثابة درج جديد بمحتوياته الخاصة سواء أكانت من الأحداث أو الأسماء التي هي دلالات حسب ( ديسوسور) وفي هذه الرواية نجد ( آلان نقشبندي) الشخصية التي توزع الأدوار على بقية الشخصيات المهمة والثانوية وهو بنفس الوقت الراوي في الرواية.
والشخصيتان الأساسيتان ( بيانكا شنايدر) التي استطاعت أن تضيف بعدا جديدا ومعان عن حياة آلان اللاجئ لتجعله يتحول إلى باحث في شؤون الكلاب في الظاهرة الأوروبية ولكنه يخفق رغم دراساته وحبه لصاحبة الكلب، يخفق أن يتحول إلى ألماني أو يندمج في المعنى القانوني حيث يظل في آخر الرواية رافضا لواقع أن يعيش مع كلب أو يقتني كلبا وذلك ببعدٍ فلسفي ديني وتربية مجتمعية رافضة لهذه الصيغة المبالغة في التعامل مع هذا الحيوان.

الشخصية الرئيسية الثانية إذا صح التعبير هي ( الكلب روكي) الذي تدور حوله الكثير من الأحداث ويبقى السبب في لقائهما على الأقل في البدايات وهو الشخصية الصامتة والمؤثرة في الأحداث بسبب تفاعله الروحي وتأثيره القوي على بيانكا الذي كاد يسبب بكارثة لبطل القصة في النهاية.
الشخصيات التي تشكل فضاءات الرواية في حركتها وجمالها وتأريخها هي كثيرة تمتد من رفاقه في مرحلة الطفولة والشباب ثم رفيقة بيانكما الحميمة وشخصية المترجم التونسي والمحامي الكوردي عندما يرتفع إيقاع الأحداث وتبدأ الحبكة بالانحدار الطبيعي نحو النهاية.
الزوجة والأولاد والأسرة تكمل الشخصيات الطبيعية في إطار أية أسرة كردية سورية في حياتها اليومية
أما البوليس الألماني فيظنه الراوي للوهلة الأولى ربما نسخة عن الأمن السوري وهذه الشخصيات تظهر في نهاية القصة وعند تخافت الحدث الدرامي

وحقيقة، لقد استطاع الروائي أن يقدم ببراعة هذه الشخصيات بذكائها وإنسانيتها أوهامشيتها وعاديتها أوشقاوتها في النهاية بخلاف زبانية النظام في بلده، من دون أن يبالغ في رسم التفاصيل التي لاتلزم، ويكفيه أنني ظللت طويلاً أسأله عن حال بعض شخصيات روايتيه السابقتين" شارع الحرية- شنكالنامه، لأعلم أنها مجرد خيالية، ما عدا الشخصيات الحقيقية التي يوائمها إلى جانب كل عمل له، نظراً لرؤيته الفنية في هذا المجال، وهوما يتم في الرواية الحداثية، من قبل بعض الروائيين!.
المكان في الرواية

رغم أن المكان والزمان عنصران متلازمان فإن المكان ثابت على عكس الزمان المتحرك حيث أصبح المكان واحداً من القضايا التي يتناولها الإنسان بالبحث بغية التعمق في هذا المحسوس وتمام إدراكه.
إبراهيم اليوسف في أعماله الأدبية وكتاباته الصحفية أكثر من يتردد على لسانه المكان في صيغ عدة، فكثيرا ما تراه يردد عبارات من قبيل ( ابن المكان ) في( مكاننا )، (هنا أولادنا يتعلمون إنسانيتهم) ص295

( طردي وأسرتي من هذا المكان) ص 222 ( الحياة هنا تسير على نحو مختلف) ص169 ( أيام الجامعة في الوطن ) ص179 المكان الواقعي أو المتخيل عنده مداميك وتطور الرواية في الجغرافية ثم الطبوغرافية في المعنى الجزئي وكذلك تم تقسيم المكان هنا إلى المكان التصوري والمكان الإدراكي والحسي والمكان الفيزيائي والمكان المطلق. فمن خصائص المكان علاقة الجزء في الكل وعلاقة الاندماج والانفصال والاتصال التي تعطينا الشكل الثابت للمكان بمسافاته ومساحاته ( ألف وسبعمائة وخمسون خطوة من البيت لمكان الملتقى ) يرددها في بداية الرواية وحتى نهايتها عند البوليس كون هذه المسافة الخيط الممتد في توحيد الرواية من الأول حتى النهاية المكان الروائي هنا فيه أحداث الرواية وهو جزءٌ من الفضاء الروائي أو المسرح الروائي بإكمله ويكون المكان جزءا منه في ألمانيا وفي الوطن كردستان والخليج برابط غير تسلسلي.
المكان عند جاك دريدا يلعب دور المفجر لطاقات المبدع ويعبر عن مقاصد المؤلف لأن العمل الأدبي حين يفتقد إلى المكانية، فهو يفقد خصوصيته وبالتالي أصالته. وبالعودة للفضاء الروائي الذي يعكس اختلاف الصفات وتنوعها من مكان إلى آخر ويعكس لنا الفروق الاجتماعية والنفسية والأديولوجية لدى شخوص الرواية، الأب في انتقاله بين قرى الجزيرة، العم فليت، تل أفندي، طوبو، القامشلي، كردستان، ألمانيا، البحيرة، مقهى سيلونا، تؤكد مدى استثمار الروائي لصفات الطبقرافية للمكان ودلالاتها على تكوين الشخصية.

المكان حقيقة معاشة تؤثر في البشر بالقدر الذي يؤثرون فيه، إذ علاقة التأثر والتأثير بين المكان والإنسان تتوثق من خلال الدور الذي يلعبه كلٌ منهما إذاء الأخر( في جغرافية الأحلام ) ص 48 يربط بين نزقه الطفولي ووجوده في غرفة التحقيق ثم قرية ولادته وشبابه وإقامته في الخليج وذلك ببراعية ملفتة في أقل من صفحة ونصف.
هنا تناول المكان كدور مكمل لدور الزمان في تحديد دلالة الرواية، إن تفاعل العناصر المكانية وتضادها يشكلان بعداً جماليا من أبعاد النص الأدبي بل قد يكون في بعض الأحيان هو الهدف من وجود العمل برمته، ويعيدنا ذلك إلى( دسوسور ) حيث يؤكد أن الدلالات اللغوية تأتي من تناقض مفاهيمها.
فإذا كان المكان يأخذ دلالاته التاريخية والسياسية والاجتماعية من خلال الأفعال وتشابك العلاقات هنا في الرواية، فإنه يأخذ قيمته الكبرى من خلال علاقاته بالشخصية. المكان هنا يقوم بدور العاكس بأحاسيسه الشخصية ويمثل رمزا من رموز الأنتماء بالنسبة له لأنه يشيد مكانا أليفا في علاقته بالشخصيات الأخرى.

المكان والحرب وآثارها في الرواية لا يعوضانه اللجوء إلى المجتمع البديل، ويخلقان إشكالية مكانية تحسب للراوي لقدرته على تقديم المكان الذي يعيشه المتلقي في صورة فنية مختلفة.

تقنيات رواية جمهورية الكلب
نستطيع أن نعتبر أن هذه الرواية كما غيرها من بعض أعمال إبراهيم اليوسف سيرة ذاتية بمعنى ما ولكنها تشذُّ عن القواعد الأساسية للسيرة الذاتية التي تعتمد على الواقعية الزمانية وتسلسلها وعلى المكان المحدد جغرافيا وتفاعل الكاتب مع الشخصيات الحقيقية. تحمل الكثير من ملامح ذكرياته الشخصية حتى أننا نستطيع أن نتابع ولادته وطفولته وشبابه وعاداته وتقاليده وانعكاس تأثير الوالدين وخاصة الأب كمرجعية أخلاقية واستمرار ذلك في أسرته عندما يحتذر من الكلب في أول الرواية وحتى آخرها من دافع النجاسة ربما وإصرار أهل بيته بغسل الجسم والآواني التي تمسّها الكلاب سبع مرات للطهارة على الخلفية الأسلامية تحولت إلى عادة حياتية.

ومن يعرف الكاتب- عن قرب- يدرك أنه يظهر حقاً في هذه السردية بشخصيته وملامحه وقيمه وعاداته بشفافية، وبلغة بسيطة سهلة كلغة الحكايا التي تعتمد على استقطاب القارئ وشده إلى النص المكتوب. منذ البداية تبدأ القصة بتقنية الفلاش باك أو الرجوع خلفا ( في ضيف ثقيل) ص 16 ( غريب أمر هذا الكلب.... من أتى به إلى هنا....؟) هي نهاية القصة التي نقلها إلى البداية ليضبط الأحداث بتسلسلها ويشكل الكلب روكي وعاء وخيط الرواية منذ الصفحات الأولى حتى نهايتها، ليربط الواقع بالمتخيل. حياته بالقرية. تعليمه بالقامشلي والخليج وهجرته إلى أوروبا، ثم المتخيل ومن بينه: لقاؤه مع بيانكا سيرة حياتها علاقتها مع الكلاب، تحولها إلى صديقة، بل إلى عاشقة لبطل القصة، والتفاهم الروحي بينهما ثم أزمة وثيقة الجد واستدعاء البوليس له، المترجم العربي، والمحامي الكوردي المنقذ، انهياره ووقوعه نهبا للشك والحيرة، والخوف والهذيان ووصوله إلى حافة الجنون، يجعلنا أن نتعاطف مع هذا المهاجر في مظلوميته كل ذلك بلغة بسيطة صحفية يومية غير معقدة فيها القصة الكوردية والأساطير وأمثالنا ( ذيل الكلب اعوج ، لا يأكل الكلب لحم الكلب) لقد استطاع أن ينتقل بين الذات الشخصية إلى العام صورة الخارج فشكل خليطا متماسكا لا يستطيع القارئ أن بميزها ولا أن يستغني عن بعض أجزائها حتى أن غدت قصة حب حقيقية لو قراتها زوجته لحلفت اليمين بأنها حصلت له واقعيا ونحن كذلك.

الراوي والرواية
مهمة الراوي هي الإمساك بالقارئ والاحتفاظ به حتى النهاية بعد أن يقرأ آخر صفحة في الرواية ولقد نجح في ذلك عندما استحضر الذات الروائية لتصبح الذات المتقلبة الحية بل باتت أقوى من الكاتب كأنها خرجت من هيمنته وفرضت عليه ذاتها لتقول هذا ( أنا ).
وهي الرؤية الخاصة بالكاتب حيث لكل كاتب عدسته المميزة في ألتقاط الأحداث وطريقة تناولها عبر أداتين :
السرد وهو الإطار الخارجي والنمط الذي تسير في خضمه أو وفق آلياته جميع الأحداث، ثم الحوار الذي يدور بين الشخصيات الداخلية للرواية كحوار بيانكا مع آلان وحوارها مع صديقتها وحوارها مع الكلب وحوار البطل مع العائلة ومع البوليس.....
ويعتبر السرد من أهم تقنيات النص حيث توضع الأحداث في مواضيعها داخل إطارها الزمني سواءا إن كانت في الماضي أو الحاضر أو المستقبل.

هل حقق الراوي هنا قاعدتي إنشاء النص. الأولى هي الفكرة أو القصة التي يريد الراوي أن يوصلها إلى جمهوره الفكرة الرئيسة الهجرة الاندماج. البيئة الجديدة المعاناة والخوف من المجهول والحاجة إلى تقبل الأخر.
الثانية الطريقة التي يصل بها الروائي للتعبير عن أفكاره عبر السرد فالسرد هو الأسلوب المتبع لإيصال الفكرة وهو الإطار العام الذي تسير به الأحداث عبر مجموعة من تقنيات السرد التي هي
1- الوصف: البحيرة الغابة والبجعات ومقهى سيلونا الاحتفاء بيوم الكلب العالمي
.2- التلخيص : ويقصد به تسريع الاحداث اللتي تقلل الملل والركاكة في النص
3- الحذف: ويقصد به حذف الفترات الزمنية الطويلة من الاحداث في الرواية , اذ يتم تجاوز الشهور والسنوات من الذاكرة في سوريا الوطن الموصل بغداد الخليج المانيا بأيقاعات رتيبة دون تشتت في تسلسل متتابع للأحداث.
وأخيراً، فإنه بدءاً من العنوان ثمة اختيارٌ استثنائي لعالم الرواية غيرالمتناول من قبل، وفق هذه الرؤى، والتوظيف، يضاف إلى كل هذا ما لم يتطرق إليه أحد من بين القراءات الكثيرة التي تناولت الرواية ألا وهو أن أكثرهم بل كلهم اعتقد أنها رواية اندماج فقط، ولكنها في رأيي رؤية عميقة للاغتراب والغربة من منظور المهاجر الكردي أو السوري، إذ فيها القصة الكردية. المكان الكردي بكل أمثلته من الذاكرة في سوريا الوطن والموصل وبغداد، و في الأساطير والتراث الكوردي والهم الكردستاني. إنها أطلس أو دراسة موسعة عن عالم الكلاب على أرضية ثقافية، نواتها: الإسقاط السياسي للحرب وآثارها على إنساننا، بما يطرح أسئلة العودة والبقاء، مكتوبة بلغة شفافة بسيطة يومية وغير معقدة، الحبكة فيها مترابطة تدور وقائعها حول القصة نفسها دون تشتت في تسلسل متتابع للأحداث مع الجميع وبين الجميع بتقنية الراوي والرواية ذلك الراوي العليم الذي يصف الأحداث والشخصيات جميعها والراوي المشارك في العمل الذي هو ذاته.