رواية إبراهيم اليوسف الجديدة اختزال لثنائية الغربة والاغتراب ( 1 من 2)

رواية إبراهيم اليوسف الجديدة اختزال لثنائية الغربة والاغتراب ( 1 من 2)

صديق شرنخي

جمهورية الكلب، هذا العنوان الاستفزازي والمفتوح على التأمل في الوقت ذاته، اختاره إبراهيم اليوسف لعملهِ الروائئ المتميز الصادر عن دار خطوط وظلال2020 ، والذي لقي صدى في الأوساط العربية وفي التعليقات الصحفية، ومن ثم بعض الأوساط الأجنبية بعد ترجمة فقراتٍ ودراساتٍ عن هذه الرواية.
للوهلة الأولى يبدأ بإدانة لمجتمعٍ يعيش فيه، ويأخذ تسميته من هذه الجمهورية بحيوانٍ رغم أنه أليفٌ، وينقلنا للوهلة الأولى أيضا إلى محاكمة الغرب ومنها ألمانيا، وبهذه التسمية يختزل فكرة الرواية، العنوان المفتاحي والجديد كل الجدة على القارئ الشرقي كردياً كان أم عربياً أو مسلماً، ومن هنا يبدأ قلق القارئ أو السامع لهذا العنوان، فيسأل نفسه: هل هي رواية اندماج؟ أم هي محاكمة لمجتمعٍ غريب؟ أم هي خلاصة تعريفٌ بسيط للواقع الأوربي الذي يعيشه الكاتب، وذلك قبل خوضه عالم الرواية، والتعرف على فضاءاتها الفكرية والفلسفية، التي تناول فيها الروائي كل المواضيع: الاندماج والهجرة، والمهاجر، والحب الذي طرق بابه بهدوء، وموقفه من القوانين المكانية الجديدة، ومفهوم الوطن القديم، أو المواطنة الحديثة، وليست تلك المواطنة التي كانت ولا تزال على الطريقة السورية.

( الكلب) اسم الحيوان المعروف أو المفردة ذات الدلالة أو الفكرة أو المفهوم يقابله ( المدلول) أو المفهوم العام ( الوفاء ) كصفة لازمة له بيننا، وما هي العلاقة بين الدال والمدلول لغويا، وبين الكلمات ومعانيها في النص وبما أن الكلمات لا تعرف إلا بفعل اختلافها عن الكلمات الأخرى كما يقول ( جاك دريدا) مثل اليمين واليسار, الذكور والإناث وهنا الطهارة والنجاسة، التي تشكلُ معضلة كلبية، لم تُحل حتى نهاية الرواية، وتقف حائلا أمام القبول بالأمر الواقع حتى الأخير.
ويقول دريدا في هذا الخصوص: لكي أتظاهر أقوم بالأمر الذي أتظاهر به بالفعل، وبالتالي أتظاهر أني أتظاهر، هذا ما يمارسه بطل الرواية ( آلان نقشبندي) الذي يبدأ بحديث نبوي نصه ( إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً إحداهن بالتراب) يقنع نفسه وهو ( النقشبندي) لاحظ دلالة المسمى الديني بأنه لا يكذب عندما يزعم أشياءاً خاطئة ومعاصرة بأنها صحيحة ( إنه انقلابٌ كبيرٌ في حياتي) يقولها في الصفحات الأولى عن مفهومه الجديد وهو يعلم أنها أوهام وقد تكون أشد رسوخاً من الحقيقة.
تناوله للكلب بطلاً ورمزاً إشكالياً في هذا المكان الذي لم يصبح وطناً نهائياً بعد لمهاجرٍ جديد، يطرحُ أسئلةً تنتظر حلاً، ولم يكن سطحياً في معالجة حلوله، وتعريفاته وردود أفعاله، فلقد تسلح بمعرفة عميقة تاريخية وطبية وفلسفية وصلت إلى حد الدراسة المعمقة عن الكلاب في العالم وعبر التاريخ، بحيث تشعر أنك أمام عالم في هذا المجال، يستطيع أن يحول روايته إلى دراسة علمية عن هذا الحيوان في توحشه و تطوره وتحوله الاجتماعي إذا صح التعبير، وعلاقته بالإنسان و بالطبيعية وتطور مجتمعنا الإنساني أو بالأحرى قدرته على تطوير وتطويع هذا الكائن.

تقول صديقته الألمانية بيانكا: ( كلابكم دربتموها على المذلة أما كلابنا فدربناها على الكبرياء. كلابنا تصطاد لنفسها أما كلابكم السلوقية تصطاد لصاحبها). فلكي يكون مقنعا لدى صديقته الألمانية قرأ الكثير من القصص عن الكلاب في الحرب والسلم وعن مآثرها وعن رعايتها وتوالدها وأنواعها وتدريبها، يقول بزهو:( أما الفيديوهات والأفلام التي تتعلق بوفاء الكلاب فقد شاهدت العشرات منها) بفضل بيانكا أعاد تحليل كل ممارسات الكلاب في مكانه القديم، قريته، مدينته، حيث يستكشف الآن كيف كانت ترسم كلاب القرية( خرائط البول) ميزة قد لا تعرفها كلاب أوروبا، وإذا كان منطلق العلاقة مع صديقته هوالحديث عن الكلاب للمقاربة الفكرية والروحية وللتجسير فإنه يقتحم هذا العالم بجدارة وذاكرة حيّة بمعلوماتٍ طازجة لإغناء الحوار، من دون أن ننسى هنا ان الإنسان هو سر الحياة وهدفها، هو نفسه الذي يعترض على دونية الرجل إزاء الكلب الذي يقع في المرتبة الثالثة بعد الأطفال والنساء وقبل الرجال مكرراً هذه المقولة التي أصبحت عرفاً غير مكتوب في المجتمع الأوروبي ومنه الألماني ولكنه ( آلان ) في قوله ( استسلم أمام الآخرين الذين أحترمهم فأخجل منهم وأوافق أحيانا على مطالب لا أؤمن بها) لا نستطيع أن نطالبه أن يجعل الإنسان وليس الكلب محور التقارب، فهشاشة البطل الروائي تبدأ مبكرا وتستمر معه حتى يقع فريسة لتحقيقات أمنية بوليسية من قبل الدولة. هنا يشعر بانكساره في الغربة وضعفه في اللغة المحكية ولا يستطيع أن يقدم نفسه على حقيقتها، رغم ثرائه الداخلي.

لو استطاع بطل الرواية أن يكون في مستوى حلمه، لقال للجميع ولرجل البوليس الذي يحقق معه لماذا الكلب لديكم هو الأثير وليس الإنسان؟ فأولوياتكم لكم وبذلك كان سيعبر عن خيبة أمل الإنسان المهاجر وخاصة السوري المعتد بنفسه.

يقول الاندماج مطلوب هنا من طرف واحد، هو طرف المهاجر، كلغةٍ وتمثل عاداتٍ وقبول القوانين وقبول حتى الشذاذ جنسياً واحترامهم وتحرر المرأة الذي لا يشبه تحررها عندنا، وجميعها تحتاج إلى طاقة خاصة وضغوطات نفسية تختلط مع قلة الالتزام بما يسمى- أول النواميس- أو الشرف في عرفنا الشرقي ( الكردي) ولكنه لا يتوانى أن يطرح على بيانكا ( إن الاندماج لا يكتمل إلا إذا اطلعتم أنتم أيضا على لغاتنا، ثقافاتنا وفلكلورنا، الاندماج عندكم ناقص إنه اندماج من طرف واحد، إنه إحتواء، ابتلاع للآخر).

ألا يعتبر هذا إذابة ناعمة من قبل الدولة الحاكمة، والتي كانت تمارسها أنظمتنا ولكن بشكل جلف وقمعي، هذا رد فعل الكاتب ربما، ولكن تجيبه بمنطق ( لدينا هنا مائة جنسية أخرى... لا أعتقد الأمر سهلاً أن نتعلم لغات الجميع، .... في ألمانيا حوالي مائة وثمانون لغة ..... لعلها بداية فكرة ممكنة الصقل).

إن هذا التبرير السياسي يصب بهذا المنطق لصالح بيانكا الوطنية الألمانية، وفي الوقت نفسه يطرح إشكالا جديدا في علم الاجتماع لم يعالجه أحدٌ من ذوي الاختصاص، مع إنه ممكن الطرح.

إن قاتل الكلب هنا يعادل قاتل الآدمي في سرديته لبيانكا( أبي قاتل كلب) يعبر هنا عن الثنائية المحتملة عندما ينفق كلبٌ بعهدة أحدهم ( مثلت أمام إحدى المحاكم، كانت الإدانة أنني وراء نفوق هذا الكلب.... تم تغريمي وتوقيفي مدة من الزمن وصرت شهيراً وكأنني مجرم حرب، وتسببتُ في إشعال فتيل الحربين العالميتين) بينما الكلاب الشاردة في مدننا تتخلص منها البلدية بتكليف أحد عامليها، وإعطائه ثمن الرصاصات ليقتل أكبر عددٍ منها، في الشوارع ويرميها خارج حدود البلدة. أما ثقافة الشرق حول الكلاب يوردها المؤلف بعدة صور منها كلب الحراسة والكلب المسعور الذي أصاب بيت العم فليت مما كان سبباً بأحراق البيت بمن فيه في قرية ( تل أفندي) وهذه بحد ذاتها تراجيديا تعامل السلطات القمعية المتخلفة في التعامل مع الإنسان الكردي ( لقد قتلوا أسرة بيت فليت جميعا ليلة أمس). مما ترك أثراً على أهل القرية وفجر الأوهام حول مصير تلك الأسرة فيما بعد وفي ذهن الراوي، ويستمر في سيرة كلابه، فالكلب سوار عندنا قد يكون ساعي بريد في تلك الأيام بين ( سرخت وبنخت) طرفي الحدود فقد عُبر به عن تراجيديا التقسيم في الأسرة الواحدة بين تركيا وسوريا، وحرمانهم في الوقت نفسه، من حق التواصل نتيجة قوانين الإحصاء الجائر والمكتومية والأجانب ليبقى الكلب وحده صلة الوصل بين الأم و ابنتها عبر الأسلاك الشائكة والقنابل المدفونة. هذا الاستشهاد لم يأت قسرا وإنما بلغة تفهما بيانكا لتوضع في صورة الواقع الإنساني والقومي في مكاننا عبر سيرة هذا الكلب الوفي وقد يكون ذلك أبرع من مقالة سياسية رصينة، ويضعنا الراوي أمام أشكاياتٍ أخرى، وجه لوجه أمام شبح العودة، وذلك على لسان عمه الذي يقول: انتبهوا هذا ليس مكانكم النهائي، فينكمش المهاجر على نفسه وتنعكس ذلك على تصرفاته مع بيانكا بحيث يتخوف فيما بعد من التفاعل مع الوثيقة التي أورثها الجد لحفيدته حول الأيام الأخير لهتلر، وكيف ينأى بطلنا بنفسه عن خوض هذه المغامرة في قراءة الوثيقة والتي قادته بالفعل إلى المساءلة القانونية، واستدعائه إلى مخفر البوليس السري أكثر من مرة ليسقط ضحية رهاب السجن والطرد من البلد الثاني أو الوطن الثاني، الذي قدم الملاذ الآمن له ولأسرته، فتحت عنوان ( لاجئ غير مرغوب به) نلاحظ مدى ارتباكه، وضياع الوسيلة لديه، وهشاشة شخصيته التي تمتد من مصائبه في الوطن.

البوليس ومواعيده والانتظار يفقده التوازن، فيصاب بالهلوسات والاعتراف بما لم يقترفه في ( نوبة هذيان) .....( سقيت الكلب جرعة من سم الفئران... لأتخلص منه وطعنتُ صاحبته بالسكاكين كي آخذ المخطوطة وأبيعها. كانت المخطوطة خريطة تبين موقع مقبرة هتلر)

يقول لابنه الذي جاء يصطحبه للبيت بطلب من البوليس ( برودهم سبب أزمتي)

رواية كردية بلغة عربية

لم يخف إبراهيم اليوسف كرديته في روايته رغم إنها موجهة للقارئين العرب والكرد في آن واحد، ويعد إطلاع القارىء الأوربي لها ضرورياً، فقد طبعت في دار نشر أردنية ولكنها تطفح بكردية الكاتب التي لا تفتأ تلازم الوقائع والأحداث في دقائقها وسيرورتها العامة، فهو ينقل بوعي ملامح المجتمع الكردي في حيواته وتفاعله اليومي من خلال المكان الكردي وتستطيع أن تقول أيضا الزمن الكردي بالصيغة المجتمعية، ليس عبثا أن يبدأ في مقدمة روايته بمثل كردي( حين تحب أنثى فإنك تحب صوت ديك أهلها و نباح كلابهم) يعلن منذ البداية ها أنذا الكردي ابن الجزيرة، وعندما يتذكر الحكاية الكردية الشهيرة التي روتها جدته حول قتل رجلٍ لآخر، في ليلة عتماء إذ قال له ( فقاقيع مطر الربيع ستكشفك) هذه ثقافتنا وحكايانا أبا عن جد ، حتى أنه ينقل أحياناً المثل الكردي مكتوبا بالحرف اللاتيني، ثم يترجمه،كما كانت تقول أم الراوي :

( li ber devê xwe binêr e )

ويقول في الصفحة 45 ( شعرت كما يقول المثل الكردي بأنها سكبت عليّ سطلاً من الماء البارد) عن بيانكا.

في الليل يحلم كردياً، بقرية ولادته، وقرية شبابه، وكلبه ( كازي) أو رفيقه ابن الصوفي فليت، مطاردة القطا والمدينة الأولى قامشلوا التي سكنها.

ذخيرته الحكائية أو الحياتية لاستمالة بيانكا هي تاريخه الكردي، طفلاً وشابا ويافعا، قليلا ما يحدثها عن المرحلة التالية في حياته،

الاسماء هنا كردية " محمد رشك" مدير مدرسة القرية طوبو آل سعدو آل رشك قرية والده "جمرلوك" خضر سولفيج وكلبه الشرس شبال , احمد سنانيك يحدثها ان امه كانت تقول
(Kücke gunde me siwara ji pista hespa peyadikin)
فإذا قدرنا أنه سيكون لهذه الرواية قراء كثيرون من العرب فإن بعضهم سيتعرف لأول مرة على اللغة الكردية اللاتينية، وقد يهجي حروفها.
وكذلك إذا ترجمت إلى بعض اللغات الأجنبية نظراً للاهتمام العالمي بهذه الرواية، فإنهم لا بد أن يُترجموا هذه الكلمات الكردية إلى لغاتهم.
الموضوع هنا ثقافة شعبٍ وأمثلته ولغته حتى أن بيانكا تفاجئه بالعبارة الكردية
( Ez ji te hezdikim)
و كما نجد الراوي يواصل شرح لهجات كردستان الكرمانجية والسورانية والزازية والكرمنشاهية والكورانية شارحا لصديقته الأساطير والتراث الكوردي بين الفينة والأخرى وكذلك الهموم الكردستانية كونها كانت مع زوجها في العراق ردحاً من الزمن. ( نحن الكورد آباؤنا كانوا يعتمدون على الكلاب في مرحلة ما قبل اسلامهم أيام غزو كردستان على يدي عياض بن غنم وجنده).

ويستعرض المدن الكردستانية في أسطورة بيت العم فليت وأن وزاخو و ويران شاهر، ثم مهاباد أطراف كردستان الأربعة، قصته مع ذلك الكلب البوليسي في هولير.

الشخصيات في سياق الرواية

هناك شخصيات ثابتة ومكررة في أغلب أعمال إبراهيم اليوسف وهذه الشخصيات بمثابة خيط يشكل وحدة أعماله الأدبية جميعها تقريبا وهي التي تتمركز في شخصية الوالد، والتي لا يخفي في كل عمل لديه ظهور الأب وتأثيره اللاشعوري على شخصيته وتصرفاته مع عناصر وكائنات كل قصة جديدة باختلاف مضامينها مثلا في شارع الحرية وغيرها، هنا الأب يظهر تلميحاً وتسمية كخالق لأناه الأعلى التي لا يستطيع الفكاك منها وهو المعلم الأول الذي يظهر في تلقينه القيم الواردة مثل الموقف من النجاسة والطهارة والغسيل سبع مرات ثم الموقف من الحيوان الذي هو الكلب عندما يمتنع عن قتله وهو يستطيع ذلك في أحلك الظروف ويديه بين أسنانه وكذلك مواقفه المبدئية للدفاع بالسلاح عن قرية المضيف في هذه الرواية وهكذا فتاويه الإنسانية كرجل دين لا يهاب لومة لائم، هذه الشخصية وحدها وكذلك الأم التي تشكل الجانب المكمل لشخصية الرواي في أغلب أعماله التي تستند على ثقافته القومية والدينية التي تلقاها من أسرته ولم يرغب أن يلغيها من سيرته الحياتية رغم ثقافته الذاتية وقراءاته الواسعة.