الحزبي "الغشيم" والحزبي الفاسد
محمد صالح إبراهيم
يقول بعض السفهاء تعليقا على ابتعاد بعض الحزبيين القدامى وتجميدهم لنشاطهم الحزبي أن "الشخص الفلاني كان حزبياً مبدئياً ومخلصاً ونشطاً وضحى كثيرا وله تاريخ نظيف ، لكنَّ الظّاهر انه "غشيم" وساذج ، لأنه ترك الحزب في وقت حصاد الامتيازات وخرجَ من المولد بلا حمَّص " !
توصيفهم هذا ساذج حقّاً وسطحي وغير دقيق، لأن الحزب تأسس على مبادئ استقطب الالاف، وهذا الحزبي الذي يصفونه "بالغشيم" واحد منهم، حمل هموم تلك المبادئ، وآمن بها في صباه وشرب منها حتى الثمالة، وناضل وضحى من أجلها بأجمل أيام عمره، هو لم يترك الحزب "لغشمته" لأنه أصلاً لم يفكر یوماً بمنطق "المولد والحمص" والربح والخسارة، هو إنكفأ مؤخراً لأن الحزب إنجرَّ من بعض الطارئين عليه وأُبعِد نسبياً عن روحیة تلك المباديء الوطنية والقومية التحررية التي تأسس عليه وعمل في صفوفه الاف المناضلين وقدموا دماء غزيرة لها. وعندما ينحرف الحزب جزئياً أو كلياً عن تلك المباديء في ظروف مستجدة وبتأثير بروز تيار من المنتفعين والمتملقين والمتسلقين، اولوياتهم هي المصالح الشخصية والمناصب و المكاسب وجمع الثروات، وفي ظل تغاضي الجهات العليا عنهم، حينها لا يبقى أمام الحزبي العصامي النزيه والمؤمن بالمباديء التي نشأ عليها وناضل من اجلها ، وهو الان لا حول ولا قوة له إزاء التيار الفاسد الجارف، إلا الابتعاد والانطواء حفاظا على سلامة مبادئه وتاريخه.
أما الفاسدون والطارئون الجدد فيجدون هذا الوضع فرصة لهم ليعملوا على تهميش هذا الحزبي المزعج أكثر وابعاده عن المشهد الحزبي لكونه يشكل خطرا على مصالحهم ومكاسبهم الشخصية التي حصلوا عليها بدون استحقاق نضالي أو كفاءة او جهد، ويصفونه بالتخلف والجهل وانه لا يواكب التطور وروح العصر، ودافعهم في ذلك لانه حاول ردعهم وكشف تورطهم بالفساد، ولكنه فشل لقربهم من مراكز القرار.
لذا المناضل الحقيقي والنزيه عندما ييأس من الاصلاح واعادة الامور الى نصابها، ويفشل في ردع الفاسدين وكشف تورطهم وخطرهم على الحزب والمجتمع، ولا يصل صوته الى حيث يجب حينها يهاجر أو يعتزل ويبتعد عن الفاسدين ليبقى مرفوع الرأس، محتفظا بمبادئه وكرامته وبنظافة يده من الفساد، هل رأيتم فهو ليس بالغشيم.
كل هذا هيّن عليه ولكن الأشد إيلاما له هو تجاهل رفاقه القدامى له، خاصة العاملين في الواجهة العليا للسلطة بعد ركوبهم صهوة الفساد بأسم موضة الحداثة والعولمة.