نظرية الأخلاق

نظرية الأخلاق

محمد رجب رشيد

يقول نيتشه: "إنّ أخلاق الرحمة، الإحسان، الحِلم، الصبر، العطاء،.... إلخ ما هي إلا مجرّد وهم ابتدعها الضعفاء لسرقة منجزات الأقوياء". أمّا ماركس فإنّه يعكس الآية في الردّ على نيتشه ويقول: "هذه الأخلاق مجرّد حيلة صنعها الأقوياء والمترفين الكِبار لكي يستغِلّوا بها المُعدمين والضعفاء الصغار". بِصرف النظر عن تناقض المقولتين وصحّتهما أو بطلانهما فإنهما تشتركان في إنكار وجود الأخلاق، أو على أقل تقدير فرزها إلى أخلاق السادة وأخلاق العبيد خلافاً للاعتقاد السائد لدى عامة الناس بأنّ الأخلاق لا تتجزأ ويعود أصلها إلى الأديان بشكل عام والسماوية منها بشكل خاص، مِمّا يثير الكثير من الجدل فيما إذا كان حقاً هناك أخلاق بين الناس أم إنّها مجرد وهم الضعفاء وحيلة الأقوياء؟
لقد أجمعت الكتب السماوية والعلوم الإنسانية على أنّ الأخلاق الفاضِلة من أهم مقوِّمات الحضارة الإنسانية بالإضافة إلى التكنولوجيا، لا حضارة بأحدهما دون الآخر، فالأخلاق بدون تكنولوجيا ضعف وعجز عن أداء الدور المَنوط بها، والتكنولوجيا بدون أخلاق توجِّهه نحو الخير سيتحوّل من أداة تعمير إلى أداة تدمير. تاريخياً الامبراطورية الرومانية كانت الأكبر مساحة والأقوى عسكرياً، إلّا أنّ حضارتها لم تستطِع مُجاراة الحضارة اليونانية التي تفوّقت عليها بالأخلاق الفاضِلة، وكانت السبّاقة في إنتاج عِدّة مفاهيم كالديمقراطية، الرأي العام، حقوق الإنسان، العدالة، والمساواة. تلك المفاهيم التي مازالت الكثير من الدول تفتقر إليها، وتحلم بها الشعوب المغلوبة على أمرها. من هنا تأتي أهمية نظرية الأخلاق في حياة الإنسان الفرد والمجتمع كنظرية اجتماعية نفسية، تعني بأصول التفكير الأخلاقي المبني على الأسس الفطرية، وتشكِّل ركناً أساسياً من أركان الوجود الاجتماعي، ونسقاً حيوياً في نسيج الحياة الإنسانية. ليس هذا فحسب بل تُعَدُّ حجر الزاوية في بناء الحضارة الإنسانية، وصمام الأمان الذي يمنع الإنسان من الخضوع التام لنزواته. إذاً ما هي الأخلاق؟ وما أهميتها وأصلها؟ وهل هي مطلقة أم نسبية؟
لقد كانت الأخلاق الفاضِلة منذ القِدم موضِع اهتمام الفلاسفة كفرع من فروع علم الفلسفة، بعضهم رأى فيها الوجه الآخر للجَمال، والبعض الآخر وصفها بجمال الروح الذي لا غِنى عنه في بناء الإنسان السَوي والمجتمع المتماسك. تُعتبر نظرية الأخلاق من العلوم المعياريّة التي ُتلّبي الاحتياجات الأخلاقية المتنامية للمجتمعات، تبحث فيما هو كائن وفيما ينبغي أن يكون عليه السلوك الإنساني، لأنّها تتطلع دائماً إلى الأحسن والأفضل فالأكمل. تُعرف الأخلاق بشكل من أشكال الوعي، يرتقي بها الإنسان ويتّخذ منها مرجعية ثقافية في عقله الجمعي لتكون بمثابة السند الذي تستقي منه الدول التشريعات والقوانين الناظمة لشؤون المجتمع. وتشير إلى منظومة من المبادئ والقيّم والآداب التي تُرضي النفس، وتنهض بالحياة إلى أرقى مستوياتها بجلب الخير للمجتمع وحمايته من الشر، فالإنسان لا يجد حقيقة نفسه إلّا في صورته الأخلاقية، لأنّه الكائن الوحيد في مملكة الكائنات الحية الذي يضحّي برغباته وميوله على مذبح السمو الأخلاقي سعياً إلى تجسيد القيم والفضائل التي تشكل جوهر الحياة وغايتها.
تتشعّب الأخلاق لتشمل جميع أوجه الحياة والمِهن الإنسانية تحت مسمّى أخلاقيات المهنة. وتكون على شكل وثيقة تحدِّد المعايير الأخلاقية السلوكية لضبط عملها وتدعيم رسالتها والارتقاء بها بغية الحفاظ على شرف المهنة وحقوق أعضائها. وتُمارس من خلال نقابات، جمعيات، اتحادات، مؤسّسات، أو ما شابه بشكل طوعي دون إكراه، لا رقابة على أعضائها سِوى رِقابة الضمير، مِمّا يحمِلُّهم مسؤولية أخلاقية ذاتية تجاه الله تعالى والمجتمع.
وهنا لا بدّ من توضيح الفرق بين المسؤولية الأخلاقية والمسؤولية القانونية، بالطبع هناك علاقة تكاملية بينهما من حيث أنّ حياة المجتمعات الإنسانية لا تستقيم بدونهما، وبالتالي لا يحِلُّ لإحداهما إلغاء الآخرى، أو أن تكون بديلةً عنها، فلكل واحدة منهما ساحتها وأبعادها وأدواتها ومصادرها. تتباين المسؤولية القانونية بحسب التشريعات المحدِّدة والمُلزِمة لها، وتختصر دائرتها على سلوك الإنسان نحو الآخرين، مِمّا يوجب العِقاب في حال عدم الإلتزام بها. وتشارك في العمل على تنفيذ مضمونها عِدة جهات -أجهزة الأمن، النيابة، القضاة والسجون-. بينما المسؤولية الأخلاقية أوسع بكثير من دائرة القانون، كونِها تشمل علاقة الإنسان مع خالِقه ومع ضميره، أي إنّها مسؤولية ذاتية ثابتة لا تتغير إلّا بالتخلّي عن الضمير أو بعدم الخوف من الله سبحانه وتعالى.
إنّ نسبيّة الأخلاق أو عدِمها تعود بالدرجة الأولى إلى مصادرها، كون المصادر نفسها تتوزّع بين النسبيّة والمطلقة. تتمثّل النسبية في الرؤية الذاتية لشخص أو لمجموعة من الأشخاص أو لمجتمع ما، أمّا المطلقة فإنّها تتجلّى في الرؤية الموضوعية القائمة على قاعدة صلبة خارج أذهاننا، وتكون صحيحة في ذاتها ولو لم يؤمن بها أحد. إنّ الفِطرة، الأديان، التربية والتعليم جميعها تنتمي إلى المطلق، أمّا القوانين الناظِمة لعلاقة الفرد بالآخر وعلاقة الأفراد بالمجتمع، والعادات والتقاليد فهي نسبية متغيِّرة بتغيُّر الزمان والمكان. فالإنسان بالفطرة يميل إلى الفضيلة وينبذ الرذيلة. وجميع الأديان السماوية والوضعية تلتقي معاً في الدعوة إلى الأخلاق الفاضلة -التسامح، الإيثار، احترام الآخرين في إختيار عقائدهم، مساعدة الفقراء والمحتاجين، إغاثة الملهوف،.... إلخ-، ولا يختلف الأمر كثيراً بالنسبة للتربية والتعليم اللتان تتضمّنان القيّم والأخلاق العابِرة للثقافات في مناهج التدريس لجميع دول العالم. أمّا القوانين والعادات والتقاليد فإنّها تختلف بإختلاف الأزمنة والمجتمعات، ويترتّب على ذلك اندثار بعض القيّم الأخلاقية وظهور أخرى بين الحين والآخر، ناهيك عن الإختلاف في الحكم عليها بكونِها حسنة أَم مزمومة. كنت قد بدأت بأقوال الفلاسفة، وسأختم بقول الأديب الروسي دوستويفسكي: "إذا لم يكن الإله موجوداً فكل شيء مباح". بمعنى أنّ الخوف من الله هو الرادع الأخلاقي الأكبر الذي يمنع الإنسان من أفعال الشر، وخِلاف ذلك استثناء لا يُقاس عليه.