للتاريخ وثيقة الاستقلال.. شهادة الولادة وتفاصيل محاولات الإعدام مقاربة شبه سيميائية دلالية! - الجزء الأول:

للتاريخ وثيقة الاستقلال.. شهادة الولادة وتفاصيل محاولات الإعدام مقاربة شبه سيميائية دلالية! - الجزء الأول:

إبراهيم اليوسف

ما إن وقعت، بين يدي، نسخة من كتاب فخامة الرئيس مسعود بارزاني- للتاريخ- وبإهداء خاص من مكتبه، حتى رحت أفكر بالتوقيت المناسب لتقديم قراءتي له، في شكل مراجعة، وهو ما تم التوقيت له، عشية الاحتفال بالذكرى الرابعة- للريفراندوم- كموقف من هذا المنجز في حياة إنساننا الكوردستاني، ليس في إقليم كوردستان، وإنما، على امتداد أجزاء كوردستان، لاسيما في مواجهة ذلك الخطاب التضليلي البائس الذي راح- وتزامناً مع المنجز الاستثنائي- يهيل الغبار على رأسه للتشويش على الحدث، في محاولة لكبح هذا المنجز العظيم، من ضمن مختبر جوقة معروفة الدوافع والأهداف، راحت تعض على أصابعها، بعد أن تم التصويت-للاستقلال- وبات مصطلح- الريفراندوم- يدخل التاريخ الكردي، ويسجل لشعبنا الكوردستاني عامة، وللإقليم، ومهندس الريفراندوم، على نحو خاص، بحيث إن هذه المحطة المضيئة التي صار لها مكان وتاريخ ولادة من عداد المكتسبات العظمى لشعبنا الذي طالما تمت المؤامرات بحق جغرافياه، ووجوده فوق أرضه التاريخية!
الرئيس مسعود بارزاني كاتباً:

ثمة خللٌ كبيرٌ، عادة، راود مسيرة إنساننا الكردي ألا وهو أنه لم ينتبه إلى- مدونته التاريخية- على امتداد حضوره الزمني، رغم انصرافه في ساحات الوغى، إلى تحقيق المنجزات العظمى أنى وجد، وفي مطلعها انتصاراته وعطر سيرته، إلى الدرجة التي راح الكثير منها يدوّن في سجل سواه، بل لطالما تمت محاولات إزالة توقيعه على ما صنعه من ملاحم وبطولات في حدود مكانه، ومن بينها ما كان يحققه تحت راية أخوته والآخر: شريكاً أو جاراً أو حتى ضيفاً، وعلى نحو غيري، وهو ما راحت دوائر الدراسات المختصة بتزوير التاريخ تواصل قلب الحقائق، رأساً على عقب، إلا إن جهود هؤلاء ستذهب سدى، باعتبار بصمات هذا الإنسان. ابن المكان، صانع المعجزات التي تكاد تبلغ درجات الأسطرة لاتفتأ تعلن عن نفسها، وتزيل عن ملامحها الغبار!
والرئيس مسعود بارزاني الذي آثر منذ نعومة أصابعه أن يسلك طريق أبيه، وأجداده، وأن يكون أحد البيشمركة الأباة، الذين نذروا حيواتهم من أجل قضيتهم لهو خير من يستذكر ملحمة أنداده، ومحيطه، من جهة، ومؤامرات الحرب على الوجود، من جهة أخرى، ليكون على امتداد عقود حياته الحافلة بالمقاومة في أقصى حدود درجاتها، وأشكالها، ولقد كان حرياً به أن يدوّن كل ما كان شاهداً عليه، سواء فيما يتعلق بالمحطات التي كان خلالها قرب والده القائد التاريخي الملا مصطفى بارزاني رحمه الله، ومن حوله البيشمركة الضراغيم، والصفحات المضيئة لمقاومة هؤلاء لتحقيق حلم إقامة دولة كوردستان، أو فيما يتعلق بالمرحلة التي قاد بنفسه المقاومة الكردية، سواء أكان ذلك في ساحات المعارك، أو على طاولات المفاوضات، في بغداد، أو المحافل الدولية. حيث يحظى باحترام كبير، من قبل الخصوم قبل المحبين، لما عرف عنه من خصال البيشمركة، والقائد، والسياسي، والإنسان!
لغة الإيجاز
من يتابع اللقاءات والحوارات التلفزيونية، أو حتى الصحفية التي تجرى مع الرئيس مسعود يجد أنه يميل إلى التكثيف، بمعناه: الإيجازي، الاختصاري، الذي يؤدي المعنى ولا يسرف في الكلام، ولعل من بين إجاباته على أسئلة بعض محاوريه رداً لا يتجاوز عبارة واحدة، أو جملة واحدة، أو حتى مفردة واحدة فهو يأنف- على ضوء متابعة تصريحاته ذلك الخطاب المطول، المسهب، لطالما إنه في الإمكان تقديم الجواب المختصر الذي يذهب إلى قلب المعنى، على نحو مباشر، ولعله لا يعيد طرح أطراف فكرة ما-عادة- إلا في حالات جد نادرة عندما يكون أمام قضية جد مهمة يريد إيصالها إلى متلقيه: شفاهاً، أو كتابة، بعيداً عن أي تحليل سيميائي، بلغة الناقد المختص!
الإهداء
"إلى الذين لا ينحنون" بهذه العبارة التي تتشكل من حرف جر واسم إشارة في موقع الجر ولا نافية وفعل مضارع يهدي الرئيس مسعود كتابه الصادر عن دار في264 صفحة من القطع الكبير، والطباعة الأنيقة، والغلاف فنيِّ التجليد، ماعدا هاتيك الصفحات المخصصة للخرائط إلى البيشمركة الذين لم يذكرهم تسمية، فالمهدى إليهم واضحون- ومثلهم أصحاب المواقف- من أجل قضيتهم، كما يمكن أن نؤول النص، وفي هذا ما يدل على رؤية المؤلف كمواطن كردي وكقائد وكرئيس إلى رجال البيشمركة البواسل والأفذاذ الذين هو ذاته منهم، ويتباهى بهذه الصفة اللازمة، لأنهم من أفشلوا مؤامرة الانقضاض على تجربة كوردستان، وصدوا هجمات المعادين، وحافظوا على كرامة إنساننا وترابه، كما فعلوا من قبل في مواجهة إرهابيي تنظيم داعش، ومن ورائهم بل إنهم أنفسهم عماد ذلك- العرين الكوردستاني- وصُنّاعه، وحماته!
لغة الخرائط:
يستهلُّ الرئيس مسعود كتابه"للتاريخ" بعد العتبة الرئيسة" العنوان" بأربع صفحات تتربعها أجزاء من خريطة كوردستان، راح يشرحها، في ذيل الهامش، على التوالي، كما يلي:
خارطة الإمبراطورية العثمانية المرسومة في لندن في 12 أيار 1893 من قبل mons. R Danville – خارطة الإمبراطورية العثمانية التي نشرها henrz tresdale كما إن الرئيس مسعود يفرد في آخر كتابه صفحات لخريطة، وفي هذا ما ينمُّ عن مكانة خريطة الأجداد وخريطة المقاومة التي صنعها ويصنعها الأبناء أو الأحفاد في ذاته، وهو ما يحتاج إلى قراءات سيميائية أعمق مما تتحمله مثل هذه المراجعة!
في العنوان:
بعيداً، عن أي بريق تتكىء عليه العنوانات-عادة- ارتأى المؤلف أن يكون عنوان- مؤلفه الوثائقي ذا دلالة مألوفة متداولة، دارجة على الألسن، إذ إننا لطالما نقول عما نريد تأكيده، وتوثيقه، قائلين: للتاريخ، وبهذا فقد مضى في عنوانه إلى المداليل المتضمنة، على نحو مباشر، أو لنقل: إنه فتح لنا الأبواب على مصاريعها، لننجذب إلى ما جاء بين دفتي هذا الكتاب، مادام إنه"للتاريخ"، لاسيما وإننا لطالما انتظرنا مالديه من شهادات لم يبخل بالإعلان عنها، أنّى دعت الحاجة، سواء أكان ذلك إبان الحملة الداخلية الخارجية على- الاستفتاء- أو مع تنفيذ المؤامرة في السادس عشر من أكتوبر، وماقبله وما بعده من تمهيدات، وحلقات مؤامرة، جرت أمام أعين العالم أجمع، وفقدت بعض الدول الكبرى. الأسرة الدولية مصداقيتها، وهو ما ورد في متن الكتاب في إشارة مكثفة، وفي سردية، لطالما يدرك المتابع أن لدى فخامة الرئيس ما هو أكثر- مما لا يرويه إباء وكنتاج نبذه للعنف- لاسيما فيما يتعلق بالتفاصيل الدقيقة، أو الأسماء والجهات المتورطة، في أكبر عمل خياني استهدف استقلال كوردستان الذي بات قاب قوسين وأدنى، إلا إن التعاون بين المتآمر أجل ذلك، من دون أن يلغيه، لأنه صار أعظم وثيقة امتلكها الكردي عبر التاريخ.
إن العنوان، بهذا الشكل الموجز، المكثف، وهو يتكون من حرف الجر"اللام" والتاريخ" كاسم مجرور ليشي بوضوح أن التساؤل الذي يراود كل حريص على وطنه ومواطنه. على إنسانه، كهاجس، ملحٍّ، كان في انتظار من يرفع الغطاء عن بعض الوقائع التي تمت عشية وأثناء وبعد فعل الاستفتاء العظيم، وإن كان كل ذي بصيرة يدرك أن ما أقدم عليه الرئيس مسعود من خطوة مفصلية في أواخر العقد الثاني من الألفية الثانية، أو بعد حوالي قرن كامل، كما يسمّيه، من الخذلان الذي تجرّعه، لاسيما بعد انتظار الكردي اللحظة التاريخية التي لا يمكن أن يتصدّق بها الآخرون: شركاء ورعاة دوليين، أو أسرة دولية، باعتبار أن ثمة عطالة، أو خللاً مريعاً في ضمير هذه الأسرة، مقابل تعام، وتصامم، واستعلاء من لدن الشريك الذي لم تحن تلك الساعة التي يقول فيها: كفى لهذا التجاهل بحق أحد الذي وضعوا صروح هذه الدولة، ورفعت أعمدتها، من خلال خيراته، ناهيك عن دم هذا الشريك الذي كان حاضراً على امتداد تاريخ العراق، كما الأجزاء الأخرى من كوردستان!

يتبع!
في الجزء الثاني سنتابع تسليط الضوء على أقسام وعنوانات الكتاب!