الماضي: ذاكرة أم عبء؟

الماضي: ذاكرة أم عبء؟

سيماڤ خالد محمد

ما عشناه في الماضي لا يختفي، بل يتغيّر شكله داخلنا، يسكننا بصمت، يتسرّب إلى تفاصيلنا الصغيرة، طريقة تفكيرنا، وفي ردود أفعالنا التي قد نعجز أحياناً عن تفسير أسبابها.

نحن لا نستطيع الانفصال عن ماضينا، لأنه جزء من تكويننا تشكّل به وعينا، ترك أثره في كل ما نحن عليه اليوم وفي كل ما سنكونه غداً.

يقال إن الماضي قد مضى غير أن كثيرين يعيشون فيه أكثر مما يعيشون في الحاضر، يعيشون في ذكريات لم تكتمل، أو أخطاء لم تُغفر، وفي لحظات كانوا فيها أشخاصاً آخرين.

نحن لا نبقى في الماضي لأننا نحب البقاء هناك، بل لأن الماضي أحياناً يكون أثقل من أن يُترك بسهولة.

المشكلة ليست في تذكّر الماضي، فالتذكّر وعيٌ، بل في السكن فيه إذ إن العيش الدائم في الأمس يعني الغياب عن اليوم.

عندما نُسقط تجاربنا القديمة على حاضرنا، نصبح أسرى لما كان ونحاكم اللحظة الراهنة بمعايير زمنٍ مضى، وانقضى.

الماضي لا يجب أن يكون سجناً نُحبس فيه، بل مدرسة نتعلّم منها قد تكون دروسه قاسية أحياناً، لكن قسوتها ضرورة للفهم والنضج.

علينا أن ننظر إلى الماضي بوصفه كتابَ حكمةٍ، أو ندبة تذكّرنا أننا تألّمنا، ونجونا، لا جرحاً مفتوحاً ينزف كلما حاولنا التقدّم.

التحدّي الحقيقي يكمن في أن نفهمَ ماضينا دون أن نسمحَ له أن يسرق منّا الحاضر، نحن أبناء ما عشناه لكننا لسنا مجبرين على تكرار ما عانيناه.

قد يؤثّر الماضي في كل ما نفعله، غير أن الحاضر وحده هو المساحة التي نملكها فعلاً، المكان الوحيد الذي نستطيع فيه أن نختار، نغيّر، ونبدأ من جديد.

الماضي مضى لكنه يرافقنا دائماً، لا بوصفه عبئاً نحمله بل أثراً نتعلّم كيف نتعامل معه؟ النضج الحقيقي لا يعني إنكار ما كان، ولا محوه من الذاكرة، بل وضعه في مكانه الصحيح خلف قراراتنا لا أمامها.

حين نصالح الماضي دون أن نستسلم له، نمنح الحاضر حقه، ونفتح لأنفسنا إمكانية أن نكون أكثر وعياً، حرية وأكثر قدرة على البدء من جديد.