بوابة الذكريات

بوابة الذكريات

سيماف خالد محمد

لستُ مجرّد متعلّقة بالذكريات، أنا أعيش فيها كما يسكن المرءُ بيتاً يعرف تفاصيله عن ظهر قلب، ألجأ إليها لا لأنها جميلة فحسب، بل لأنها الحقيقة الوحيدة التي لا تتبدّل، مهما تغيّر كل ما حولنا وتبدّلت ملامح الأيام.
أحبّ الصور ليس لأنها تحفظ الوجوه، بل لأنها تفتح لي أبواباً على عوالم بعيدة كنت أظن أن المسافة التهمتها.
صورة واحدة قادرة على أن تعيد إليّ تفاصيل صغيرة مرّت قرب حياتي بصمت، ولم أمنحها انتباهاً كافياً حين كانت في متناول يدي.
أقف أمامها فأشعر كأنني ألمس الزمن بيدي، كأن اللحظة التي ظننتها انتهت ما زالت تتنفس في مكانٍ ما.
تمرّ الوجوه، تتبدّل الأماكن، ويظن الإنسان أنه يمضي دون أن يلتفت، لكن كلمة عابرة، رائحة خفيفة، ظلّ عابر على طريق مزدحم، كلها تفاصيل صغيرة تملك الجرأة على إعادتي دفعة واحدة إلى نقطة تركتُ عندها جزءاً من نفسي جالساً في صمت، في زاوية من ذاكرة لم تُغلق يوماً.
لحظة واحدة كفيلة بأن تكشف أن الزمن، مهما ركض، لا يستطيع محو كل شيء، ثمة ذكريات نخبّئها في أعماقنا، لا لأننا نريد نسيانها، بل لأننا نخشى العودة إليها.
مع ذلك فإن رائحة مألوفة أو صوتاً نسيناه يعيدان ترتيب الشعور بداخلنا، ويوقظ ما كنّا نظنّه خامداً، وحدها التفاصيل الصغيرة تعرف الطرق السرية إلى أعماقنا، وتعرف اللحظة المناسبة لفتح باب أغلقناه منذ زمن.
ما يؤلمني في الذكريات ليس حضورها المفاجئ، بل عجزنا أمامها لا نستطيع لمسها، ولا استعادتها، ولا تثبيت اللحظة التي أردنا البقاء فيها طويلاً.
كل صورة تمنحنا وهماً بأن الماضي ما زال قريباً، وأن كل ما مضى لم يبتعد إلا خطوة واحدة، لكن الحقيقة أن الزمن لا يتوقّف من أجل أحد، وأن الذاكرة ليست كريمة بما يكفي لتعيد لنا الشعور ذاته: الدفء، الصوت، ارتباك اللقاء الأول أو تلك البهجة الخفيفة التي كانت تسكن التفاصيل.
أقف أمام صور قديمة فأكتشف أنني لست أقرأ ورقة من ألبوم، بل أقرأ نفسي الصورة تعرفني أكثر مما أعرف نفسي، تعرف ضحكتي، نظرتي التي تغيّرت واللحظة التي لم أدرك قيمتها إلا بعد مرور الوقت، لحظة كنت أظنها عابرة، فإذا بها تصبح أثمن ما تبقّى لي منها.
قالوا إن الوقت كفيل بالنسيان، لكنني أدركت أن الوقت لا يمحو شيئاً هو فقط يضع طبقة رقيقة فوق الألم، طبقة شفافة تنكسر بسهولة أمام ذكرى صغيرة.
نحن في أعماقنا ما زلنا نجلس في الزاوية نفسها من الصورة القديمة، بنفس الروح التي لم تعد تظهر على ملامحنا اليوم.
صدفة واحدة قد تكفي لتعيد ترتيب الفوضى داخلنا صورة تقع بين يدي، أو اسم يمرّ في حديثٍ عابر، فإذا بالماضي ينهض أمامي بكل ثقله، وكأنه لم يغادرني يوماً.
بعض المشاهد لا تموت، بل تنتظر بصبر خلف أبواب الذاكرة، وتعود حين يحين الوقت كما لو أن الزمن لم يمسّها قط.
الذكريات لا تغادرنا حقاً إنها تغيّر مكانها فقط تمضي إلى ركن بعيد من الروح، ثم تعود عندما تظنّ أننا أصبحنا قادرين على رؤيتها من جديد، أو عندما تكتشف أننا لم نتجاوزها فعلاً.