سوريا بعد سقوط نظام الأسد.. دروس الماضي وتحديات الحاضر وآفاق المستقبل

سوريا بعد سقوط نظام الأسد.. دروس الماضي وتحديات الحاضر وآفاق المستقبل

عزالدين ملا

في الثامن من كانون الأول 2024 فرّ رأس النظام البائد، وبذلك دخلت سوريا مرحلة جديدة بعد أربع عشرة سنة من الخراب والتدمير والقتل والنزوح والتهجير، وأربعة عقود من الديكتاتورية والاستبداد.
خلال هذا العام، خرجت سوريا من عباءة محور الشر، وتتجه نحو الانفتاح على العالم خارجياً، أما داخلياً فالطريق ما زال معقّداً وشائكاً، وبحاجة إلى العقل والحكمة بين جميع مكوّنات الشعب السوري.

1-ما الدروس الأساسية التي نستخلصها من الماضي؟ وكيف يمكن تحويلها إلى سياسات عملية تعزز المساءلة والشفافية، وتمنع العودة إلى دوائر القمع؟
2-كيف يمكن لجميع مكوّنات المجتمع السوري أن تتعاون وتتكامل لبناء مؤسسات وطنية قوية تحمي الحقوق، وتضمن العدالة الاجتماعية؟
3-ما أولويات المرحلة الانتقالية في مجالات الأمن والاقتصاد والخدمات الأساسية، وما الآليات التي تضمن مشاركة فعلية وفعالة للمواطنين في صنع القرار؟
4-ما شكل الانفتاح الدولي الذي يخدم مصالح سوريا ويحافظ في الوقت نفسه على السيادة الوطنية والهوية الوطنية؟
5-ما الآليات العملية للمصالحة الوطنية والتعايش السلمي والتخفيف من الانقسامات الاجتماعية، بما يعزز التكاتف والتضامن بين السوريين؟

آفاق سوريا المستقبلية: نحو وحدة وطنية وإعادة إعمار

تحدث عضو المكتب السياسي لحزب الديمقراطي التقدمي الكوردي في سوريا، ميديا عكو لصحيفة «كوردستان»، بالقول: «ان أبرز ما علّمته العقود الماضية السوريين هو أن غياب الرقابة والمحاسبة، وتركيز السلطة في يد فرد أو جهة واحدة، هو الطريق الأسرع نحو الاستبداد والفساد والانهيار. لذلك، فإن أول درس يجب تحويله إلى سياسة عملية هو بناء منظومة مساءلة شفافة تشمل السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، إضافة إلى المؤسسات الأمنية.
أهم السياسات المقترحة: - إنشاء هيئة وطنية مستقلة للحقيقة والمساءلة تعمل على كشف الانتهاكات التي حدثت خلال العقود الماضية، ومحاسبة المسؤولين عنها وفق آليات قانونية لا تقوم على الانتقام بل على العدالة. -تطبيق مبدأ الفصل بين السلطات فعلياً، عبر إعادة صياغة الدستور بما يحدّ من صلاحيات السلطة التنفيذية ويمنع احتكار القرار. -تعميم الشفافية في إدارة المال العام، من خلال مراقبة الميزانية، ونشر تقارير دورية حول الإنفاق الحكومي وعقود الاستثمار. -تمكين الإعلام المستقل وضمان حرية الرأي كأداة رقابية أساسية تمنع عودة القمع والتضليل.
هذه الخطوات ليست ترفاً سياسياً، بل ضمانة لعدم السماح بتكرار نظام شمولي جديد بأسماء مختلفة».

تتابع عكو: «سوريا اليوم ليست كما كانت قبل عقدين؛ فقد أدت الحرب إلى تغيرات عميقة في التركيبة السكانية والسياسية والاجتماعية. لذلك، فإن إعادة بناء الدولة لا يمكن أن تتم من خلال طرف واحد أو رؤية أحادية.
آليات التعاون الوطني تتطلب: -اعترافاً متبادلاً بهوية جميع المكوّنات: الكرد، العرب، السريان، الآشوريين، الشركس، الأرمن وغيرهم، بوصفهم شركاء أصيلين في الوطن. -إشراك المجتمعات المحلية في إدارة شؤونها ضمن إطار دولة موحدة، عبر اللامركزية الإدارية التي تعزز المشاركة وتحد من النزاعات. -إصلاح المؤسسة العسكرية والأمنية على أساس وطني لا حزبي ولا طائفي، وبناء عقيدة تجمع ولا تقصي. -تفعيل دور منظمات المجتمع المدني في الرقابة والدعم المجتمعي، لأنها الأفضل قدرة على سد الفجوات بين المناطق والمكونات.
المؤسسات الوطنية لا تُبنى فقط بالقوانين، بل بالثقة بين المواطنين، وهذه الثقة تحتاج إلى سياسات شمولية تعترف بالجميع».

تضيف عكو: «ان أهم أولويات المرحلة الانتقالية: الأمن، الاقتصاد، والخدمات. أولاً: الأمن هو حجر الأساس لكل عملية انتقال. ويتطلب: - ضبط السلاح وتوحيد القوى المسلحة ضمن إطار الدولة. - بناء جهاز شرطة مدني محترف، بديل عن أجهزة القمع السابقة. - تعزيز الأمن المجتمعي عبر لجان محلية تشارك في حل النزاعات الصغيرة ومنع التوترات.
ثانياً: الاقتصاد المنهار يحتاج إلى خطة إحياء عاجلة، من أهم ركائزها: - إعادة تشغيل البنية التحتية الأساسية، خصوصاً الكهرباء والمياه والطرق. - دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، لأنها الأسرع في خلق فرص عمل. - استعادة الثقة بالمصارف والقطاع المالي. - توجيه الاستثمارات نحو القطاعات المنتجة لا الريعية.
ثالثاً: الخدمات الأساسية، لا يمكن لأي حكومة انتقالية أن تكسب ثقة الشعب ما لم تعالج الاحتياجات اليومية: - تأمين التعليم والصحة وضمان وصولهما لجميع المواطنين. - إعادة تأهيل المدارس والمستشفيات. - تفعيل آليات شكاوى المواطنين، ونشر خطط عمل واضحة بالزمن والتكلفة.

تعتقد عكو: «إلى أن سوريا وبعد الخروج من محور العزلة، تحتاج سوريا إلى سياسة خارجية متوازنة تفتح أبواب الاقتصاد والإعمار والدعم السياسي دون التفريط بالسيادة.
ملامح هذا الانفتاح: - تنويع الشراكات الدولية وعدم الارتهان لمحور واحد. - إعطاء الأولوية للدول والمؤسسات التي تدعم الاستقرار والتنمية، وليس تلك التي تعزز الانقسام أو تستغل الضعف. -التركيز على إعادة الإعمار عبر شراكات حقيقية، تضمن انتقال التكنولوجيا وخلق فرص عمل للسوريين. - الحفاظ على الهوية الوطنية من خلال عدم السماح لأي طرف خارجي بفرض أجنداته السياسية أو الأيديولوجية».

تشير عكو: «انه لا مستقبل لسوريا دون مصالحة داخلية حقيقية، والمصالحة ليست شعاراً، بل عملية طويلة تحتاج إلى آليات صادقة وشفافة.
أبرز آليات المصالحة: - برامج حوار مجتمعي تشمل جميع المكونات وتبحث في الجراح المتراكمة والحلول الممكنة. - تعويض المتضررين وإعادة المهجرين بطريقة عادلة تضمن حقوقهم في السكن والملكية والعمل. - تعليم يرسخ قيم المواطنة والتنوع بدلاً من الخطاب الإقصائي الذي ساد لعقود.


تختم عكو: «سوريا اليوم تقف على عتبة تاريخية جديدة. سقوط النظام البائد قد يكون أنهى مرحلةً من الاستبداد، لكنه لم ينهِ آثاره العميقة. الطريق نحو سوريا جديدة يمرّ عبر التكاتف بين أبنائها، وبناء دولة تشارك فيها جميع المكوّنات دون استثناء، دولة تقوم على العدل لا على الخوف، وعلى الشراكة لا على الإقصاء.
هذا المستقبل ممكن فقط في سوريا ديمقراطية لا مركزية، يحتاج إلى إرادة السوريين أولاً… وإلى الحكمة والجرأة في مواجهة التحديات، وصناعة غدٍ يليق ببلدٍ أنهكته الحرب لكنه لم يفقد أمله».

بناء الوحدة الوطنية، ودستور يعبّر عن جميع مكونات الشعب

تحدث السياسي عبد الرحمن آبو لصحيفة «كوردستان»، قائلاً: «دخلت سوريا مرحلة جديدة ومفصلية ما بعد الثامن من كانون الأول 2024، بعد انهيار وسقوط النظام الدموي البائد بكل مرتكزاته. لقد انهارت الديكتاتورية التي كانت جاثمة على صدور السوريين من كورد وعرب وباقي المكوّنات الأخرى. ولعلّ أبشع مراحله دموية وخراباً هي مرحلة قضم كرامة السوريين طيلة الأربع عشرة سنة، عبر المجازر الجماعية الوحشية والتخريب الممنهج للبنى التحتية ومئات الآلاف من المعتقلين والمغيبين في ظروف وحشية، بالإضافة إلى الملايين من السوريين المشردين في بلاد الجوار من غير وجهة.
بالرغم من كل ذلك، وقف الشعب السوري ليعلن كلمته الأخيرة في لفظ الديكتاتور من غير رجعة. فكان الانتصار كما شاءه الله والقدر. إنه انتصار المظلوم على الظالم، وفتح صفحة جديدة (سوريا لكل السوريين). لا مكان للظالمين والعابثين بكرامة السوريين في سوريا. فهي ثورة كل السوريين، من كورد وعرب وباقي المكونات، ولا غير ذلك.
على جميع المكونات أن تعي تماماً أن كل ما حصل في عهد النظام الدموي البائد قد ولى مع النظام ولن يعود أبداً. فليس أمام السوريين بمختلف مكوناتهم سوى قبول الآخر المختلف قومياً ودينياً واحترام خصوصياته. فخارطة سوريا الجديدة هكذا ويجب أن تكون».

يتابع آبو: «شاركت جميع المكونات السورية، من كورد وعرب وباقي المكونات، منذ بداية تشكيل الدولة السورية في جميع مفاصلها. وكان أول رئيس لسوريا كوردي هو محمد علي العابد. واستمرت الحال إلى ما بعد الانتداب الفرنسي، ووقت استلام التيار القومي العروبي الشوفيني المتمثل بعبد الناصر، وفيما بعد القومجيين البعثيين، حتى سقوط نظام الطاغية بشار الأسد واندحاره في 28/12/2024. وقد جاءت هذه المرحلة بكفاح مرير من قبل جميع المكونات، واستمرت طيلة الـ14 سنة من النضال الدموي. قدم الجميع فيها قرابين جمّة على طريق الحرية والانعتاق. ولم يكن هيناً سقوط واندحار هذا الطاغية من غير تضافر الجميع وبإرادة دولية حرة.
ندرك تماماً أنه وبفضل السوريين الشرفاء بمختلف انتماءاتهم، ستسلك سوريا الطريق بعد الاندحار، وبفضل الإرادة الدولية الحرة، ستتعافى سوريا من أزماتها، وتصبح سوريا لكل السوريين. سوريا اتحادية، برلمانية، وتعددية. هذا هو الهدف الذي نعمل لأجله ونسعى إليه. لا خيار أمام السوريين سوى ذلك، وسنراه قريباً».

يضيف آبو: «من أولويات المرحلة، ومن الضروري السير فيها، أن يتم حسم ملفات أساسية عدة، ثم الانطلاق. ولعلّ الدستور يمثل الأولوية الأولى من حيث إعداده وصياغته بمقاس السوريين (كوردا وعرباً وباقي المكونات)، وفق القاعدة: سوريا اتحادية، برلمانية، وتعددية، وغيرها من الجوانب القانونية. ويجب أن يشارك السوريون في بناء القرار على حد سواء. حينها، تنتفي النعرات الطائفية وخطاب الكراهية المتصاعد.
لا أحد يستفيد من إهدار الدم السوري على أخيه، ففي النهاية، كلهم في مركب واحد، يجمعهم وجعهم وألمهم وحياتهم».

يعتقد آبو: «أنه لولا الإرادة وتضافر جهود السوريين، لما سقط النظام ورأينا ما رأيناه. ولكن، ما نراه هو أن نفوذ الدول الكبرى، ونفوذ الدول التابعة الإقليمية، تتضارب إلى حد ما، وذلك على حساب مصلحة الشعب السوري وقواه الثورية، ويشكل الجانب الأكبر من العوائق والسدود. نعم للمصالح الدولية، ونعم للمصالح الإقليمية، ولكن بشرط ألا تتعارض مع المصلحة الوطنية وما يجب فعله.
وصل الوضع السوري إلى ما هو عليه وفق خطة مرسومة. وعلى الدول الكبرى مراعاة ذلك للحفاظ على السيادة الوطنية والهوية الوطنية. عليهم النهوض بالبلد، لا إشغالها بأمور جانبية، والتي تغرق البلاد في المتاهات وتودي بها نحو المجهول. وعلى السوريين وعي ذلك تماماً.
إن مصلحة البلد تأتي في الدرجة الأولى في التصالح مع الذات، وبين أفراد الشعب، وخلق أرضية للتعايش بسلام. كفى الشعب السوري إيلاماً ودماءً، والنظر إلى الأمام لصنع مستقبل أفضل».

يشير آبو: «أنه لا يمكن بأي شكل من الأشكال النهوض بالوضع السوري إلا بشكل جماعي، وبما يرضي السوريين جميعاً. لقد فات عصر الإكراه والسوق العبيدي. هناك آليات يجب الإيمان بها والعمل وفقها، ويكون الولاء للوطن الذي يحدده السوريون لأنفسهم، في إطار الديمقراطية والوطنية. أن يكون يوم الثامن من كانون الأول يوم الخلاص من الديكتاتورية، يوم عرس وطني بحق. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بعد سنة من النضال، بتحقيق مبتغى ثورة الكرامة.
علينا بتحريم الدم السوري على السوري، أيّاً كانت انتماءاته، وقبول الآخر المختلف قومياً ودينياً. الحديقة السورية المنشودة لا تكتمل إلا بألوانها، ولوحتها الفسيفسائية، الكوردي إلى جانب العربي وباقي المكونات.
من مستلزمات الجانب الوطني الإقرار الدستوري بالهوية القومية لشعبنا الكوردي، كشعب يعيش على أرضه التاريخية، وله كل الحق في تقرير مصيره بنفسه على أساس الاتحاد الاختياري الحر، والاعتراف بجميع المكونات الأخرى.

يختم آبو: «يجب على العقلاء تدارك ذلك قريباً، قبل فوات الأوان. فطاولة المفاوضات في دمشق بانتظار الوفد الكوردي المشترك، المنبثق من المؤتمر الوطني الكوردي النيساني في 26/4/2024، وهو يمثل الشعب الكوردي من ديريك إلى عفرين الكوردستانية الأبية، وهو الأساس الوطني السوري».

تحديات المرحلة الانتقالية وآفاق المستقبل

تحدث الكاتب والسياسي دوران ملكي لصحيفة «كوردستان»، قائلاً: «خمسة عقود ونيف سيطر خلالها النظام الدكتاتوري على مقاليد الحكم في سوريا عن طريق انقلاب عسكري، وعزز أركان حكمه بالاستفادة من الحرب الباردة بين النظامين الرأسمالي والاشتراكي، وبأفكار القومية العربية التي نادى بها حزب البعث، وخاض بداية حكمه حرب تشرين مع مصر لاسترداد الأراضي السورية التي خسرها مع إسرائيل في عام 1967.
بنى نظامًا أمنيًا قويًا متعدد الأجنحة، من سياسي وعسكري وأمني وجوي، واستطاع الدخول إلى كل عش وبيت وإسطبل، لتخويف البشر والحجر.
اعتمد في منظومته الأمنية على حثالة البشر التي كانت منبوذة اجتماعيًا وأخلاقيًا، وجعل منهم عسسًا في منظومته الأمنية، إلى أن أخضع المجتمع بكامل طوائفه وإثنياته، وأسّس فكرًا خاصًا بهم يرددونه على مسامع الناس في كل خطوة وثانية، حتى تشكلت في اللاوعي المجتمعي جمل وكلمات يرددها المجتمع دون وعي، وتحولت إلى ثقافة لا يمكن التخلص منها بسهولة».

يتابع ملكي: «في الثامن من كانون الأول 2024، سقط حكم الأسد، ولم تنتهِ الأفكار والمفاهيم العنصرية والشوفينية التي تربت عليها الأجيال خلال أربعة وخمسين عامًا. ومع ذلك، تنفس الشعب السوري الصعداء أملًا بمستقبل مشرق، وأن تكون فترة السلطة البائدة عبرة للقيادة القادمة، إذ رأوا بأنفسهم حجم القمع والإبادة، وكمية السجون والعدد الهائل من المعتقلين، ومع ذلك، سقط النظام الدكتاتوري.

كخطوة أولى، كان من المفترض أن يلجأ الحكم الانتقالي إلى الشعب، بصفته صاحب القرار، بدءًا من الأحزاب السياسية، والمنشقين عن الجيش، وممثلي الإثنيات والطوائف، والأديان، المشكلين للفسيفساء السورية، إلى جانب التنظيمات العسكرية التي ساهمت في إسقاط النظام، والتي لم تتلوث أيديهم بدماء الشعب السوري، وفتح باب الحوار والنقاش حول مستقبل البلد، والاستعانة بالمنظمة الدولية لتقديم المشورة، والمساهمة في تقريب وجهات النظر، وإزالة العقبات، للوصول إلى تشكيل حكومة مؤقتة جامعة لكل أطياف الشعب السوري، وإعداد دستور جديد للبلاد، والانتهاء بإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، وبذلك، كانت ستحصل على الشرعية الدولية، وتلغي جميع العقوبات، وتؤسس لعقد اجتماعي، وتساهم في بناء مؤسسات الدولة».

يضيف ملكي: «إن أول خطوة قام بها السلطة المؤقتة كانت إبعاد الراديكاليين السياسيين الفاعلين في الثورة السورية، والأحزاب السياسية، والمنشقين عن الجيش، عن القرار السياسي، ولم يتعامل مع أي كيان سياسي بعد الثامن من كانون الأول وحتى مرور عام، ولم نلمس أي خطوة علمانية أو عقلانية لبناء سوريا جديدة، وما لاحظناه هو تأسيس مجلس سياسي وعسكري من الموالين له، وحصل على الشرعية منهم، وأعطى لنفسه صلاحيات مطلقة لم يكن يحلم بها دكتاتوريات العصر. ولم تخلُ هذه الفترة من عمليات انتقامية في الساحل ضد العلويين، وفي الجنوب ضد الدروز، ومحاولة إخضاع القوميات والإثنيات بالقوة».

يشير ملكي: «إن سوريا، بعد أربع عشرة سنة من الصراع إبان الثورة السورية، انهارت اقتصاديًا، ودُمرت البنى التحتية، وتدهورت القوة الشرائية لليرة، وتوقفت جميع المؤسسات عن الإنتاج، وتوقف إنتاج النفط والثروات الباطنية بسبب القلاقل الداخلية. فبدلاً من العودة إلى الواقع والانطلاق منه، ومحاولة تصحيح الأوضاع السياسية والاقتصادية، وبناء شراكة حقيقية، لجأت السلطة المؤقتة إلى البحث عن حل لمشاكلها في الخارج، كالبحث عن المساعدات، ومحاولة رفع العقوبات، للحصول على قرض من صندوق النقد الدولي، لإعادة الحياة لبعض قطاعات الدولة، وهذا مرهون، من وجهة نظر الصندوق، بالتغيير في الأوضاع الداخلية، وبناء الثقة، وحماية الأقليات والأديان، وبناء أركان دولة ثابتة. وحتى الآن، لا توجد بوادر إيجابية، ولا ضمانات منطقية من الدول الكبرى، بل تتزايد وتيرة الصراع في سوريا، ويتعاظم حجم الكراهية المجتمعية، وتتعمق التصدعات في المجتمع السوري».

يقول ملكي: «من المفروض أن تكون أولويات السلطة الانتقالية خلال العام الماضي، استتباب الأمن، وتطبيق العدالة الانتقالية، والوقوف في وجه النعرات الطائفية والعرقية والدينية، والتوجه نحو بناء سوريا قوية بإمكاناتها الذاتية، والاستفادة من طاقاتها الاقتصادية، عبر بدء حوار سياسي شامل يؤسس لأرضية فكرية، تهدأ فيها النفوس، وتُرفع فيها الملامات التي عانت من حكم الأسد، ومحاربة العقلية الشوفينية المتوارثة من النظام البائد. إن العقلية الفصائلية التي تمارس، والمنبثقة من الإسلام السياسي والتطرف الديني، والتي اندمجت مع الأفكار الشوفينية من فلول حزب البعث العراقي بعد سقوط نظام صدام حسين، تشكلت إيديولوجيا مزدوجة، مزيجًا بين أفكار القاعدة والفكر العروبي الشوفيني، الذي لا يلبث أن يصطدم مع الأديان والإثنيات والطوائف والتيارات العلمانية. وخير دليل على ذلك صدامات الساحل، وجبل الدروز، وتفجيرات الكنائس في دمشق وحمص، والحروب المتقطعة مع قوات سوريا الديمقراطية في الأحياء الكوردية، وريف حلب الشرقي».

يختم ملكي: «إن القرار الوطني، النابع من وحدة الشعب، هو وحده الكفيل بتهدئة الأوضاع، وإعادة الإعمار، والاستفادة من ثروات البلاد، وبناء مؤسسات قوية، تستطيع بناء سوريا من جديد. وليس البحث في الخارج عن طريق التسول، من أجل الحصول على رواتب موظفي الدولة، أو التنازل للدول التي دمرت سوريا بالصواريخ الفراغية، وقضت على المعارضة المسلحة، وجمعتها في محافظة إدلب بالتعاون مع النظام التركي، أو بالقبول بالشروط الأمريكية والأوروبية، والمماطلة في رفع العقوبات».