المليون صوت لبارزاني... قراءة في دلالات الاستفتاء الشعبي الكردي

المليون صوت لبارزاني... قراءة في دلالات الاستفتاء الشعبي الكردي

المليون صوت لبارزاني... قراءة في دلالات الاستفتاء الشعبي الكردي

باري جمعة

لم تكن نتائج الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، ولا سيما حصول الرئيس مسعود بارزاني على نحو مليون صوت، مجرد حدث انتخابي تقليدي يمكن تفسيره بالأرقام وحدها. بل مثّلت هذه النتيجة ظاهرة سياسية تحمل في طياتها مؤشرات عميقة على طبيعة المزاج العام في إقليم كوردستان، وعلى موقع الحزب الديمقراطي الكوردستاني في الوعي السياسي والاجتماعي لأبناء الإقليم.

من الواضح أن هذا العدد الكبير من الأصوات لا يُقرأ فقط في إطار المنافسة الحزبية، وإنما باعتباره استفتاءً شعبياً غير رسمي على استمرار نهج القيادة الكوردستانية التي يمثلها الرئيس بارزاني، وتجديداً للثقة الشعبية بمشروع الحزب الديمقراطي الكوردستاني القائم على ترسيخ الاستقرار الداخلي، وتعزيز مكانة الإقليم ضمن المعادلة السياسية العراقية.

على المستوى السياسي، تشكل هذه النتيجة رسالة مباشرة إلى بغداد، مفادها أن إرادة الشارع الكوردستاني ما زالت ثابتة في دعم قيادة ديمقراطية معتدلة تتعامل مع الدولة الاتحادية من منطلق الشراكة لا التبعية، وأن أي محاولة لتهميش الدور الكردي أو تجاوز صلاحيات الإقليم ستصطدم بإرادة جماهيرية راسخة.

كما تكشف النتيجة عن حقيقة مهمة، وهي أن الحزب الديمقراطي الكوردستاني لا يزال الفاعل الأبرز في المشهد الكردي والعراقي على حد سواء، لما يتمتع به من قاعدة جماهيرية منظمة، ورؤية سياسية متماسكة استطاعت الحفاظ على توازن العلاقات بين أربيل وبغداد رغم التعقيدات المتكررة في الملفات النفطية والمالية والدستورية.

لذلك يمكن النظر إلى "المليون صوت" بوصفه تجديداً للشرعية السياسية والتاريخية للقيادة الكردية، وتأكيداً على أن المسار الذي اختطه بارزاني منذ سنوات ما زال يحظى بالقبول الشعبي بوصفه الخيار الأكثر واقعية في ظل الأوضاع الإقليمية المتشابكة.

فالإقليم الذي تجاوز أزمات أمنية واقتصادية متلاحقة، ما كان ليستمر في هذا النسق من الاستقرار لولا وجود قيادة تحظى بهذه الدرجة من الثقة العامة.
إن القراءة المتأنية للانتخابات الأخيرة تظهر أن الناخب الكوردستاني لم يصوّت فقط لمرشح بعينه، بل صوّت لـمنهج سياسي ورؤية وطنية تمثلها المدرسة البارزانية في الإدارة والحكم. وهي رؤية تقوم على التوازن بين المصلحة القومية الكردية والانفتاح على المكونات العراقية الأخرى، ما يجعلها مقبولة داخلياً ومحترمة إقليمياً.

مستقبل العلاقة بين أربيل وبغداد
تفتح نتائج الانتخابات الباب أمام مرحلة جديدة من الحوار السياسي بين أربيل وبغداد، قائمة على الواقعية والتفاهم المتبادل أكثر من المواجهة والتجاذب. فحجم التأييد الشعبي الذي حصل عليه بارزاني يمنح الإقليم شرعية تفاوضية أقوى، ويدفع الحكومة الاتحادية إلى التعامل مع الحزب الديمقراطي الكوردستاني كشريك أساسي في صياغة السياسات الوطنية لا كطرف ثانوي.

من المتوقع أن تسعى القيادة الكردية إلى تثبيت أسس الشراكة الدستورية، ومعالجة الملفات العالقة مثل النفط والميزانية والمناطق المتنازع عليها من خلال الحوار المؤسسي لا من خلال الضغوط السياسية. كما أن قوة الحزب الديمقراطي بعد هذه النتائج قد تساهم في تعزيز الاستقرار الداخلي العراقي، من خلال لعب دور الوسيط بين القوى الشيعية والسنية، وتقديم نموذج متوازن لإدارة التعددية داخل الدولة الاتحادية.


في المحصلة، يمكن القول إن المليون صوت للبارزاني لم يكن نهاية سباق انتخابي، بل بداية مرحلة سياسية جديدة، سيكون عنوانها الشراكة، والاحترام المتبادل، والعمل على ترسيخ نموذج اتحادي مستقر يضمن مصالح جميع المكونات ضمن عراق ديمقراطي موحد.