القضية الكوردية بعد سقوط النظام
د. عبد الحكيم بشار
كما كان حال الشارع الكوردي وحال حركته السياسية في التفاعل الإيجابي مع الحراك الجماهيري بداية الثورة السورية في 2011 بدأ حراك كردي سوري مماثل بعد سقوط نظام الأسد أيضاً، وانضم إلى الحراك الأخير أحزاب سياسية ومنظمات مجتمع مدني وتنسيقيات شبابية ومفكرين وكتاب ومثقفين وشخصيات وطنية؛ ويمكن القول إن الشعب الكوردي بمختلف شرائحه بات نشطاً ومهتماً بالغ الاهتمام باستحقاقات المرحلة القادمة رغبةً بعدم تفويت الفرصة التاريخية المواتية.
وبناءً على التطورات الأخيرة سعي القسم الأكبر من الكورد إلى حصول توافق كوردي كوردي وإن لم يكن شاملاً، ومن أجل ذلك تم طرح العديد من المبادرات بغية تشكيلِ وفدٍ كوردي موحَّد، إلى جانب ذلك تحركت منظمات وشخصيات كوردية أخرى لتشكيل وفد كوردي مستقل خارج إطار الحركة الكوردية كتعبير عن رفضها تمثيل الحركة لها أو البحث عن دورٍ مستقبلي لها، وبالتالي يبدو أن الشارع الكوردي بات منقسماً بشكلٍ شبه كامل إزاء قضايا جوهرية رغم البُعد العاطفي الذي يُطالب بوحدة التمثيل وهم محقون بذلك.
وخلال الحراك النشط في الآونة الأخيرة برزت عدة تيارات في الوسط الكوردي وهي كالآتي:
1ـ تيار وطني عريض يُبدي التزامه الثابت بمصير الشعب الكوردي وقضيته والعمل لضمان حقوقه دستوريا في دستور سوريا الجديد، ويمثله برنامج المجلس الوطني الكوردي، الواضح في برنامجه إزاء قضية شعبه.
2ـ تيار آخر يؤكد أن القضايا القومية باتت معضلة وقد تجاوزها الزمن، أي باتت القضايا القومية بالنسبة لذلك التيار موضة قديمة، ويطرحون بدلاً عن حقوق الشعب الكوردي مفهوم اُخوة الشعوب والأمة الديمقراطية والأمة الايكولوجية؛ هذه المفاهيم التي قال عنها منذ أيام في فيديو مصوَّر المفكر والمثقف الكوردي الكبير الدكتور سربست نبي بأنها مفاهيم ليس لها أي مضمون دستوري أو قانوني أو فقهي أو فكري، ولهذا التيار أنصاره أيضاً الذين في جوهرهم لم يعد يؤمنون بحقوق الشعب الكوردي، وهذا التيار يمثله الاتحاد الديمقراطي.
3ـ تيار آخر عمقه الإلتزام بقضيته القومية ويعبِّر على الدوام عن خشيته من التشتت ويدعو إلى وحدة الصف، ولكن دون أن يعلن كيف يمكن تحقيق ذلك، فهل يتم ذلك من خلال تخلي المجلس الوطني عن حقوق الشعب الكردي والإلتحاق بركب الأمة الديمقراطية الإيكولوجية؟ أم على الطرف الآخر تغيير برنامجه السياسي بشكلٍ معلن ورسمي بعيداً عن البروباغندا الآنية والتخلي عن تلك المفاهيم والانضمام للمدافعين عن حقوق الشعب الكوردي وقضيته.
4ـ وهناك تيار آخر يُطلق على نفسه المستقلين، وهم يُشكلون قسم لا بأس به من الشعب الكردي ولعب الكثير منهم دوراً كبيراً في قيادة المظاهرات المناوئة للنظام والكثير منهم من الجيل الشاب وهم من الجنسين، ولكن هناك إشكالية في التعبير عن هذا التيار، إذ أن المستقل بمفهومه المعروف هو الشخص الذي لا ينتمي إلى تيار سياسي، ولكن بنفس الوقت المستقل يمثل نفسه فقط، وفي حال تمثيله لأكثر من نفسه أي لمجموعة من الناس يسقط عنه حينها صفة المستقل، ويصبح صاحب فكرة التف حولها عدد من الناس، وبالتالي يأخذ شكلَ تنظيمٍ غير معلن.
إذن، فمن الذي يجب أن يمثل القضية الكردية في سوريا، فمعروف أن في كل دول وتجارب العالم فإن الحركات السياسية هي التي تقود النضال السياسي، وأيضاً في المفاوضات مع أيَّة جهة، لأن الحركة السياسية لديها برنامج محدَّد وأهداف متوافق عليها، لذلك أعتقد أنه لا يمكن أن يكون هناك بديلاً عن الحركة السياسية المنظمة للتفاوض مع أية جهة، وإذا كان مطالب أغلب أبناء الشعب الكوردي هي الدفاع عن حقوق الكرد حينها يكون المجلس هو الممثل، أما إذا كان أغلب أبناء الشعب الكوردي مع التخلى عن القضية الكوردية ويناضل من أجل إخوة الشعوب حينها فإن حزب الاتحاد الديمقراطي والأحزاب المتحالفة معه يمثلون الكورد في أية مفاوضات.
وبعد تبيان النهج والخط السياسي للطرفين الكورديين البارزين في الساحة السورية، أي المجلس الوطني الكوردي الذي يجمع تحت مظلته مجموعة من الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، والطرف الآخر ممثلاً بحزب الاتحاد الديمقراطي والمتحالفين معه، فالتساؤل المطروح ههنا هو أين يكمن دور المستقلين؟ ولا شك أنه يجب أن يكون للمستقلين دور مهم إلى جانب الحركة الكوردية، وهذا الدور يعتمد على الكفاءات المطلوبة للتفاوض بما أن الحركة الكوردية الآن بصدد تشكيل وفدٍ يكون مرجعية للقرار، والوفد المفاوِض قد يكون مستقلاً أو مختلطاً حسب الكفاءات المطلوبة لكل مرحلةٍ من مراحل التفاوض.