العالم يتجه نحو حقبة جديدة
محمود مصطفى
أستعينُ بمقدّمة مقالة كتبتها على صحيفة «كوردستان» الموقرة منذ ثماني سنوات بعنوان العلم والحرب، "المدرسة ومناهجها من أسس بناء الانسان وتراكمات العلم عبر العصور قد اطال الحياة البشرية وجعلها على ما هي عليه من رقي وتقدم، فالإنسان ليس مزوّد بقدرات فطرية إلا بما يكفل له العيش وعدم التعرُّض للانقراض".
لكن اليوم من الواضح أننا أمام مرحلة من التطور تخطى مداركنا الفكرية ووعينا وعدم قدرتنا على استيعاب ما توصل اليه العلم، طبعاً هذا عائد إلى جملة أسباب، نذكر منها الغوص في حروب عقائدية امتدت لعشرات القرون، تلك الحروب قد أنشأت في عقولنا جينات لا وعية تستقزم الفكر وتحقّر دور العقل، العقل الذي هو المنطلق لكل عصر جديد، طبعاً والثانية دون منافس مناهل العلم، وأقصد المدارس والجامعات، هذه كلها أبعد الانسان في منطقتنا عن معاصرة الحياة ومواكبة الحضارة في جميع تفرعاتها في القرن الماضي وبداية هذه الالفية التي تتميز بعلوم لم يصلها البشر في السابق، وبأمن سُمّي بالأمن السيبراني، وحروباً خاضعة ذليلة لما يسمى الذكاء الاصطناعي، لنكتشف فجأة اننا غرباء عن هذا العالم وتطوره، ونكتشف فشلنا، لأن أكثر ما يدمر الإنسان، ويشوّه بنيته الفكرية والمعرفية هي (الحرب)، فهي تدمّر العقل والنفس فتحدث الخلل في بنية الانسان وتركيبته المعرفية، والشاهد الكوارث والويلات التي تحيط به في هذه الرقعة الجغرافية التي اصابتها اللعنة على مدار عشرات القرون كما اسلفنا سابقا.
النزعات الخامدة والحروب على المستوى العالمي بالإضافة الى التقاربات الناشئة بين دول العالم الثالث، وبعض الديكتاتوريات العظمى والتي لا ترتقي الى مستوى التحالفات، كالحلف الغربي (الناتو)، كلها من أجل تقاسم النفوذ والاقتصاد والثروة، بشائر لم ينتبه اليها أغلب الناس وهي أننا على أعتاب الثورة الصناعية الرابعة التي لن تبقي ولن تذر من هؤلاء أحداً، فلا مكان لهم في النظام العالمي الجديد، جميع أمم الأرض التي تملك قوة الأمن السيبراني والتي تسعى لامتلاكها تتهيأ للمرحلة، قبل حدوث الانهيار الاقتصادي العالمي الذي لن يترك أحداً إلا ويلطم على خديه حد فقدان الوعي، فإما أن يخرج من التاريخ وإما يستمر فيه، والمستثني هو المتخم بالعلم وطائرات الجيل الخامس، وما الحرب الروسية الاوكرانية إلا عنواناً واضحاً اتبعها هجوم حماس على غلاف غزة في 7 اكتوبر ولست هنا في صدد ذكر الايادي التي حرّكت حماس، وكيف خرج الأمر عن السيناريو المرسوم .
والسؤال الذي يفرض نفسه: هل حرب اوكرانيا وحرب غزة وما يليها ويتبعها من حروب، هي حروب شكلية تقليدية كما في ظاهرها؟، ام هي مخططة لابد منها بهدف تسريع الوصول الى نقطة اللاعودة؟
ما معنى هذا؟
لابد للمنطقة أن تخضع لنظام عالمي جديد لابد من تطبيقه ولابد من الوصول اليه، لذلك لابد من ايجاد الفجوة وردمها بين دول العالم الحر والعالم الثالث المتمثل بالأنظمة الديكتاتورية، قبل الوصول إلى بدء الثورة الصناعية الرابعة (الرقمية - الذكاء الاصطناعي)، والتي يمكن القول فيها، إنها بدأت فعلياً ولاحت المؤشرات وومضات أبرقت في عملية تفجير أجهزة الاتصالات اللاسلكية في أيدي عناصر أحد التنظيمات المسلحة في لبنان، فعندما تشاهد عملية عسكرية واحدة دقيقة وغير مألوفة، كمشهد اصابة 5000 عنصر مسلح في 100 ثانية وإخراجهم من الخدمة العسكرية دون أن تطلق رصاصة واحدة، والإصابات المدنية في هذه العملية شبه معدومة، إنما يكون العاقل أمام مشهد رهيب لا يستوعبه عقول ضباط الجيوش في العالم الثالث المتخلف حرفياً.
لا يمكن الوصول الى النظام العالمي الجديد الا بثورة على النظام الاقتصادي الحالي، وبوجود الحكام الحاليين على مستوى العالم بشكل عام وعلى مستوى دول العالم الثالث ومنطقة الشرق الأوسط بشكل خاص، هؤلاء الحكام استحوذوا على تريليونات الدولارات وخزنوها بأسماء وهمية، الأمر الذي أثر في النظام الاقتصادي العالمي الحالي وأصابه بالخمول والارهاق.
هذا الخمول الذي به أبعد هؤلاء الحكام (الديكتاتوريات) الشركات العملاقة الكبرى عن ادارة المال والتحكم في السياسات الدولية وقرارات السلم والحرب.
هي (حرب المصالح) بين ديكتاتوريات رخوة وبين الشركات الكبرى العملاقة. وجزء آخر من هذه الحروب التي اندلعت من أجل العبور إلى النظام العالمي الجديد.
كانت الحروب البيولوجية، وتحديداً فايروس كورونا الضربة التي أعادت الاقتصاد الصيني إلى حجمه الطبيعي، فالبطالة انتشرت هناك حتى تجاوزت 20 0/0 فايروس كورونا لم يترك لهذا الاقتصاد الا ثروتها الرقمية، وحتى هذه مستوردة من الشركات الغربية الكبرى، ومقدار مقاومة هذه الثروة لتلك الشركات المتحكمة بالاقتصاد العالمي هي قوة الصين الفعلية.
السؤال الذي يفرض نفسه:
ها هنا عند ذكر حرب كبرى ثالثة: هل نتجه الى حرب عالمية يتم فيها استخدام الاسلحة النووية؟
هل ستستمر حرب أوكرانيا وحرب لبنان، وتمدّد إلى أن تنفجر إقليمياً، وهل يبدا الغزو الصيني لتايوان؟
كحرب نووية لا أحد يتمناها ولن يسعى أحدهم وراءها، حتى الانظمة الديكتاتورية تخشاها وتهرب منها.
إذاً: ما الذي سيحدث؟ بقراءة متواضعة المستوى، المعيشي للفرد سينهار في أغلب دول العالم، سنرى مثلا مستوى معيشة الفرد في السودان يتساوى مع مثيلاته في موسكو وبرلين، غلاء فاحش ومجاعات، استخدام جيوش الذكاء الاصطناعي، الهدف هو الوصول بالبشرية الى الاستعداد التام والتهيئة للولوج بهم الى العهد الجديد دون استخدام السلاح النووي.
من العوامل المقاومة والتي ستساعد الدول ان تحافظ على كياناتها الحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي والدورونات والربوتات المتقدمة بدونها الخسارة حتمية ولا نقاش في ذلك.
مصير الشرق الأوسط وسط هذه الموجة الجديدة باستخدام اأسلحة لم تعرف البشرية مثيلاً لها، هو الشرق الاوسط الجديد، وهو ليس استثناء، إلا أن الفارق هو ان العالم كله يبني سياساته على أسس المصالح الاقتصادية الخدمية والصديقة للبيئة، الا في حالتنا تبنى على اسس عقائدية ثقافية صرفة، ثقافة الغاء الغير ثقافة اكون ولا تكون.
في منطقنا سنكون أمام أبشع حروب هذه المرحلة لأسباب كثيرة، الأوضح فيها الاسلحة الحديثة بالضدّ من الأسلحة الخردة في أيدي عناصر مؤدلجة عقائدياً. رأينا جزءاً منها في سوريا المقسمة والتي لن تعود الى سابق عهدها، وكان الواضح جدا في المقتلة السورية ان اي تهدئة للحرب لا يعني إلا تفجير الاوضاع إقليمياً، وهي جزء من الخطة نحو المرسوم للعالم، المنطقة تتشكل من جديد والعامل الحسم هو الأمن السيبراني للدول العظمى، نحن أمام حروبٍ لم يشهد التاريخ مثيلا لها، هي لا تشبه حروب التخفّي والتمويه والتمركز واحتلال المواقع او الصواريخ الباليستية، بل هي حروب اختراق جميع الشبكات والاجهزة الالكترونية والكمبيوترات الى جانب انظمة التحكم بزرع برامج ضارة لها، مفيدة للمهاجم تسبب خللا او تدميرا او تسحب معلومات سرية للغاية للخصم، او حتى تفجير منشآت حيوية على بعد آلاف الكيلومترات بدون أن تستخدم اية حشوة او رؤوس مليئة بالمتفجرات من صواريخ وقنابل، او عمليات اختراق القطع العسكرية بإرسال أصوات القادة او صورهم تأمرهم بالتقدُّم او الانسحاب، ويكون الطعم والهلاك في فخ نصب.
هذه الحروب لا ولن تعترف بالحدود الجغرافية أو قرب وبعد المسافة بين المتحاربين، وأما الدول التي تتسيد هذه المنظومة الجديدة هي التي تمتلك الجيل الخامس من الطائرات المقاتلة.
الكلمة الاخيرة هي للمال ما بين العالم الحر الذي يؤمن بفصل السلطات ورفاهية الدولة والمواطن وتداوُل السلطة والسلم العالمي وبين العالم الفاسد الذي تحكمه الديكتاتوريات وتحت سلطتهم المال المنهوب والبعيد عن النشاط الاقتصادي العالمين عاصفة التغيير قوية، وستقتلع الفاسدين في الدول التي لا تريد الرفاهية لشعوبها لتواكب العصر الجديد، التغيير قادم. ولا مجال للمقارنة بين التطور والتخلف.