خلفَ الأقنعةِ عذاباتٌ تعيشُها القُدواتْ
كاوا عبدالرحمن درويش
إن موضوع القدوة يأتي في مقدمة الأولويات التي ينبغي للآباء مراعاتها، وإيلاؤها الأهمية القصوى نظراً لدورها الكبير في تكوين وتنمية شخصية الأبناء وتطويرها، وخاصةً في زمننا الحالي الذي لم يعد فيه أحدٌ يجهل مدى تأثير القدوة على المقتدين بها في المنزل والمجتمع، سواء كان تأثير الكبار على الصغار، أو تأثير الأقوياء على الضعفاء، فجميعنا بات يعلم أن الابن يقلِّد أباه، وأن الأخ الأصغر يقلِّد أخاه الأكبر، وأن المغلوب مولعٌ أبداً بتقليد الغالب، كما أشار الى ذلك مؤسس علم الاجتماع ابن خلدون في مقدمته الشهيرة.
ما يجهله الكثيرون هو حجم التأثيرات السلبية التي تنعكس على شخصية المقتدى به سواء كان أباً أم أماً أم أخاً أم معلماً، تأثيراتٌ وضغوطٌ تثقل كاهل هذا الشخص فتزيد من مسؤولياته، وتسبّب له المزيد من الآلام النفسية والجسدية والضغوط الحياتية والمجتمعية ومنها:
1- الوصول لحالة الاغتراب الذاتي، والإحساس بالألم نتيجة تظاهره الدائم بالقوة، وتمثيل ذلك أمام المقتدين به، وخاصةً إذا كانوا أطفاله، وكبت مشاعر الضعف التي قد تنتابه أحياناً، خشية اهتزاز مكانته لديهم، فيمتنع عن البكاء مثلاً أمامهم مهما كانت الأسباب حتى وإن كانت وفاة شخصٍ عزيزٍ عليه، وهذا ما يعرّضه في النهاية لأضرارٍ كارثيةٍ قد تؤثر على حالته النفسية، فيشعر جراءها بالعزلة والإحباط والعجز. الأمر الذي يدفعه إلى حالةٍ من اللامبالاة، فيفقد شغفه بعمله، وينفر منه نتيجة فقدانه الروح والاستقرار النفسي، وغالباً ما تكون نهاية هذه القدوة الاكتئاب والابتعاد عن الذات، وهو ما وضحه الباحث ميشيل مان في كتابه (موسوعة العلوم الاجتماعية) حين فسَّر الاغتراب الذاتي بأنه: "ضياع المرء وغربته عن ذات نفسه، أو عن المجتمع الذي ينتمي إليه، أو عن الهيمنة على العمليَّات الاجتماعيَّة والاقتصاديَّة".
2- الأضرار الجسيمة التي قد تؤثر على الحالة النفسية للشخص المحتذى به جراء محاولته تعمد إخفاء شخصيته الحقيقية أمام المحتذين به خوفاً من تأثرهم به، فنجد أحدهم يجهد نفسه لئلَّا يستخدم الألفاظ النابية أمام أطفاله خوفاً من تقليدهم له بشكل لا شعوري، بينما نجد آخر يضغط على نفسه حتى يقلل من ساعات بقائه على هاتفه النقال أمامهم، ليتمكن من نصحهم ومنعهم من قضاء أوقاتٍ طويلةٍ على هواتفهم النقالة، بينما يلجأ آخرون للتظاهر بقراءة جريدةٍ أو كتابٍ ما للظهور بمظهر المثقف أمام أطفالهم. أما غيرهم فيضطرون إلى إخفاء بعضٍ من طبائعهم الحقيقية، قد تصل بهم أحياناً حتى إلى الابتعاد عن المزاح أو حتى الابتسام في وجوه أطفالهم حفاظاً على وقارهم ومكانتهم لديهم بحسب تفكيرهم.
3- سقف التوقعات المرتفعة التي يتوقعها منه الأشخاص المتأثرون به، فهذه القدوة تمثِّل بالنسبة لهم الإنسان القوي المتكامل، الذي لا يجد اليأس والضعف مكاناً له في قلبه، وهو في نظرهم الجبل الذي لا تهزه ريحٌ، والحكيم الكفؤ صاحب الرأي السديد، الصائب على الدوام، القادرعلى حل أي مشكلة قد تعترضه أو تعترض أفراد أسرته. وهو الغني المقتدر دائماً، الملتزم بتلبية كل ما يُطلب منه من متطلباتٍ ماديةٍ على الفور، وهذا ما يزيد الأعباء في كثير من الأحيان على كاهل رب الأسرة العاجز عن تلبية حاجات أفراد أسرته فتؤدي به الى السقوط في براثن العديد من الأمراض سواء الجسدية منها كأمراض القلب وارتفاع ضغط الدم وغيرها، أوالنفسية كالاكتئاب الذي قد يولِّد سلوكيات غير صحية تتسمُ بالعدوانية أحياناً كارتكاب أعمال عنف نحو المحيطين به كنوع من التنفيس عن الضغوط النفسية التي يعاني منها.
4- الإجهاد النفسي والعاطفي الذي قد يتعرض له القدوة جراء مراقبته الدائمة لتصرفاته وأقواله وعاداته، وتركيزه على إظهار الجانب الايجابي وإخفاء الجانب السلبي أمام من ينظرون اليه بعين القدوة، وهذا ما يسبب له ضغوطاً هائلة لدرجةٍ قد ينهار فيها في أية لحظة، ويرتد ذلك بالتالي سلباً على هؤلاء أيضاً.
5- القيود والضغوط الإجتماعية التي يفرضها المجتمع على من يعتبره قدوةً له، وبخاصةً المشاهير منهم، وهذا ما يؤدّي بهم الى العزلة والابتعاد عن العلاقات الاجتماعية السوية، وعدم قدرتهم على حماية خصوصياتهم وحقهم في العيش كباقي أفراد المجتمع.
6- عدم القدرة على خلق التوازن المعقول والمطلوب بين الجانب المهني وبين الجانب النفسي في شخصية القدوة، الأمر الذي ينجم عنه أحياناً التراجع على المستوى المهني بسبب انشغال القدوة وحرصها الشديد على إظهار الجانب الإيجابي فيها، أو مبالغتها في مراعاة قيم النزاهة والأخلاق عند مزاولتها لأعمالها وأنشطتها، وخاصةً التجارية منها بشكل مفرطٍ أمام المقتدين بها، مما يعرضها للغبن والخسارة المالية في كثير من الأحيان.
خلاصة:
من الأهمية بمكانٍ أن يكون الشخص المقتدى به مُلمَّاً بالصعوبات التي قد تواجهه، متصالحاً معها، مواجهاً للضغوطات التي يتعرّض لها بشكل صحيٍ وسليمٍ، فيوفِّق بين مراعاته لدوره في اقتداء غيره به من جهة، وبين الحفاظ على سلامة صحته النفسية والجسدية من جهة أخرى، وقد يتم ذلك بحسب رأيي في قيام الشخص المقتدى به بالخطوات التالية:
1- تصحيح أو محاولة إزالة الصورة النمطية الشائعة عنه، والمترسخة في أذهان المقتدين به، وإقناعهم بأن الكمال للخالق فقط، وأن القدوة معرضةٌ مثلها مثل غيرها للخطأ والصواب، للضعف والقوة، للمحبة وللكراهية، وللخوف والقلق، لأنها بكل بساطةٍ تمتلك عواطفَ ومشاعرَ كغيرها من البشر، ويقع على عاتق القدوة التشديد على فكرة أنه ليس بالضرورة أن يقلِّد المقتدون قدواتهم بشكل مبالغٍ فيه، بل لابد أن يتمتع كل فردِ بشخصيته المستقلة، وصفاته المميزة عن غيره حتى وإن كانوا والديه.
2- السعي لتغذية الجانب الروحي في شخصيته، كممارسة الشعائر الدينية من صلاةٍ وصيامٍ ودعاءٍ وابتهالٍ، وقراءة الكتب المقدسة والتمعُّن فيها، والتقرب الى الله تعالى الذي يمنح النفس السكينة والطمأنينة.
3- التسامح والصبر: الذي يعزّز من قوة الإنسان الداخلية ومن رضاه عن نفسه، ويزيد من عزَّته وقوَّته، فالرسول - عليه الصلاة والسلام - قال :(وما زاد الله عبداً بعفوٍ، إلا عزاً) وهذا ما يساهم أيضاً في شحن الإنسان بطاقاتٍ إيجابيةٍ تساعده على تحقيق السعادة والراحة.
٤- قضاء أوقاتٍ معينةٍ في خلوةٍ للتأمل بعيداً عن صخب الأسرة وهموم الحياة، وممارسة بعض الرياضات الروحية كاليوغا والاسترخاء، وغيرها من الرياضات التي تعزز من التصالح والسلام الداخلي.
5- تخصيص مساحاتٍ من الوقت للاستماع إلى الموسيقا والرقص مع الأبناء والأصدقاء والخروج معهم إلى أحضان الطبيعة.
6- ممارسة الرياضة وخاصة اللعب مع الأطفال في المنزل أو في الحدائق أو الملاعب، مما يساهم في تخفيف التوتر وتحسين المزاج، وبالتالي عودة هذا الشخص إلى نشاطه المعتاد، وممارسة مهنته وأعماله الاعتيادية.
7- إنشاء حلقات حواريوميةٍ مع الأبناء، وتخصيص أوقاتٍ كافيةٍ من أجل التفاعل معهم، وطرح مواضيع متنوعة للنقاش، وتبادل الآراء فيما ببينهم.
8- إيلاء القراءة والكتابة أهميةً كبرى، فالقراءة والكتابة مفاتيحٌ لعالمٍ مليءٍ بالخيال والإبداع، وهي أقل الطرق تكلفةً للترفيه عن النفس وقتل الملل، وتفتح أمام الإنسان آفاقاً واسعةً للتطور المستمر، وتمنحه ثقافةً واسعةً تزيد من حكمته وثقته بنفسه، ومن قدرته على تجاوز كل الصعوبات بسهولةٍ ويسر.
9-عدم التردد في حضور جلسات التوعية والدعم النفسي التي تقيمها الدولة، أو بقية الهيئات المهتمَّة بهذه الشؤون كمنظمات المجتمع المدني، و مراجعة الاستشاريين والأطباء النفسيين عند الحاجة، وذلك من أجل الاستمرار في ممارسة تأثيره الإيجابي على أفراد أسرته ومجتمعه، وتأدية رسالته التي يطمح في إيصالها إلى حيث يريد.