بوركت مهاباد بما أنجبت
شيركوه كنعان عكيد
أدى انهيار الدولة العثمانية إلى دفع الشعوب التي كانت تخضع لها إلى تشكيل حركات سياسية تعبّر عن طموحاتها وتجسّد مطالبها وحقوقها التي حُرِمت منها، خاصة بعد تقاسم الدول الاستعمارية المنتصرة للأراضي التي كانت تحتلها الدولة العثمانية، وتحويلها إلى مستعمرات خاصة بها.
كان شعبنا الكردي من أوائل تلك الشعوب التي تأثّرت بالمدّ القومي العام، فقد تطوّر وعيه القومي مبكرًا نظرًا لتعرّضه بشكل خاص للقمع والاضطهاد والإنكار من قبل الحكومات المتعاقبة في تلك الدول المستحدثة التي سيطرت على أرضهم التاريخية بموجب اتفاقات مشؤومة ومؤامرات دولية خبيثة، فأصبحوا غرباء على أرضهم لا يتمتعون بأية حقوق، حتى أبسطها، ويعانون شتى أنواع الظلم والتمييز والصهر والإلغاء. ظهرت تباعًا تنظيمات وجمعيات كردية مثل "هيوا"، و"خويبون"، و"آزادي" وغيرها، لتصبح فيما بعد الأساس الفكري والتنظيمي لولادة حزب عظيم، ألا وهو الحزب الديمقراطي الكوردستاني على يد الزعيم الخالد للأمة الكردية الملا مصطفى البارزاني.
بفضل وعيه السياسي المتقدم آنذاك، تمكّن البارزاني الخالد من الاستفادة من التجارب السابقة أيضًا في بناء هذا الحزب الكفيل بتحقيق الأهداف القومية للكرد في كل أرجاء كوردستان.
لستُ هنا في معرض تقديم سرد تاريخي حول كيفية نشوء هذا الحزب، الذي انبثق من رحم المعاناة والمآسي، والذي لن نستطيع أن نوفيه حقَّه مهما كتبنا عنه، فالشواهد والمعطيات الواقعية لنتائج نضاله وتضحياته قد أفرد لها التاريخ صفحة من أنصع صفحاته. ولكنني أودُّ الإشارة إلى ما أفرزه تأسيس الحزب من تأثيرات معنوية ونفسية وسياسية لدى أبناء شعبنا في الأجزاء الأخرى من كوردستان المجزأة. لقد منح تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني شعبنا المظلوم إيمانًا عميقًا وآمالًا طموحة بإمكانية تحقيق الأهداف القومية والسياسية. فوجود حزب كوردستاني قوي بقيادة زعيم لا يعرف الاستسلام ولا المهادنة، ويتبنّى قضاياهم، ويدافع عنها وعن حقوقهم، خلق لديهم ثقة كبيرة في الذات وفي قدرتهم على تحقيق تلك الأهداف.
أضحى الحزب الديمقراطي الكوردستاني منذ تأسيسه نبراسًا يهتدي به أبناء شعبنا في أحلك الظروف وأشدها قسوة، مما أدى إلى رفع الروح المعنوية والحماسة والجرأة، التي تُرجمت على أرض الواقع من خلال زيادة الوعي والنشاط السياسي، وتعزيز الانتماء القومي بين أبناء الشعب الكردي. وقد انضم الكثيرون منهم إلى معترك السياسة، وأسهموا في تأسيس أحزاب كوردستانية جديدة في الأجزاء الأخرى، متأثرين بأهدافه القومية والسياسية ومنطلقاته الفكرية. وهذا ما أجج فيهم روحّ التّضامُن، حيث باتوا يدركون أنهم جزء من قضية أكبر وحركة أشمل تناضل من أجل تحقيق مطالب الكرد عامة. هذا الشعور بالتضامن رفع من قدرة الكرد على المقاومة والكفاح في مواجهة الضغوط وتحدي الظلم والطغيان.
تأسيس الحزب في السادس عشر من آب وما تلاه من نضال سياسي منح الكرد، ولا يزال، شعورًا بالاعتزاز بانتمائهم القومي والفخر بتراثهم وثقافتهم المتميزة، بعد أن كانوا يعيشون في ظروف من القهر والاستعباد والإنكار، وسلب أبسط حقوقهم الأصيلة. فقد أصبح لديهم تنظيم يناضل من أجل تطلُّعاتهم المشروعة، ويدافع عنها في المحافل الوطنية والدولية، ويمنحهم شعورًا بالأمل والثقة والطمأنينة نحو المستقبل. حين نستذكر ميلاد هذا الحزب المناضل العريق، الذي يتزامن مع ميلاد زعيم الأمة الكوردستانية، القائد مسعود البارزاني، الذي قاد مسيرتنا بشجاعة وحكمة نحو الحرية والكرامة، هذا القائد الذي جسد بصموده وشجاعته الموروثة معنى القيادة الحكيمة، وسعى بكل قوة لتحقيق الاستقرار والتنمية في كوردستان، فإننا نتوجه بقلوبنا وعقولنا إلى كل أرجاء كوردستان الحبيبة.
ونقول: بوركتِ مهاباد بما أنجبتِ.