«كۆنێ رە ش»... منارة لغتنا

«كۆنێ رە ش»... منارة لغتنا

علي جزيري

ولد الأديب والباحث سَلْمان عبدۆ الذي يُكنى بـ "كۆنێ ره ش"، في قرية دۆدا، يقيم في مدينة قامشلي؛ وواظبَ منذ نعومة أظفاره على كتابة الشعر والرواية بلغته الأم، ليس من باب التعصب، بدليل أنه أرّخَ بالعربية أبحاثاً، ومنها على سبيل المثال "انتفاضة ساسون"، فأثنى عليه الراحل محمد نذير مصطفى في مقدمته للبحث المذكور، قائلاً: لقد اجتهد "كۆنێ ره ش" في تناول انتفاضة آل علي يونس، ونفض عنها غبار النسيان، رغم أن وثائقها مازالت حبيسة أرشيف وزارتي الدفاع والداخلية التركيتين، الحريصتين ألاّ تمتد إليها يد باحث. ولا مراء من القول إن صيته قد شاع في أرجاء الجزء الكُردستاني الملحق بسوريا وأجزاء كُردستان الأخرى.
أدرك كاتبنا ببصيرته أهمية الكتابة باللغة الأم، وأولاها جلّ اهتمامه، كونها تعكس ثقافة الشعب الكُردي وروحه ونمط تفكيره، فأثبت بذلك للقاصي والداني بأنها مؤهلة للتعبير عمّا يجول في خاطر الناطقين بها، بعكس طغيان الصور النمطية والثقافة الشمولية التي تُروجها ماكنة الدعاية المُشوِّهة للدول التي تقتسم كُردستان بغية إجهاض تطلعات الكُرد المشروعة.
ومن بداهة القول التأكيد إن اللغة هي حجرُ الأساس في بناء هويتنا والعروة الوثقى بين الكُرد، ويتجلى دورها في إبراز شخصية أمتنا بين سائر أمم الأرض، ولم تفلح سياسات التتريك والتفريس والتعريب طمس هذا الدور. وتتأتّى أهمية اللغة في كونها بوصلة الكُردي، إنْ أضاعها أضاع جزءاً هاماً من كينونته، وكأني بالكاتب يعي ما نُقِل على لسان شاعر إغريقي حين قال: "هزمناهم، عندما تمكنّا أن ننسيهم لغتهم وثقافتهم، تاريخهم وحضارتهم.
ففي تمكين اللغة، يتحقّق الأمن الثقافي، كون اللغة حاضنة ثقافة الأمة وذاكرتها وخزان تراثها وقيمها، وانطلاقاً من أهميتها ودورها الحضاري السالف الذكر، ناشد الدكتور نورالدين زازا الكُرد لإيلائها جلّ الاهتمام حفاظاً على الهوية من الضياع؛ لأن اللغة ليست أداة تواصل وتفاهم فحسب، وإنما لها بنيانها الفكري، وبالتالي تحدد غالباً طريقة التفكير والتفاعل والتأثير في الآخر على حد وصف الدكتور عبد الرحمن منيف. من هاهنا سعت الأمم المتحكمة بمصير أمتنا، وبكل السبل المتاحة فرض لغاتها؛ فروّج الأتراك مثلاً تُرّهة في العهد الجمهوري مفادها أن "التركية" هي أم اللغات، وادّعى غلاة العرب بأن "العربية" هي لغة أهل الجنة، وأضفوا عليها هالة مقدسة، كونها لغة القرآن.
سبق أن وصف الأمير جلادت بدرخان - الذي اقتدى به كاتبنا - اللغة وصفاً بليغاً حين قال: إن الأمة الخاضعة لغيرها، ولم تنسَ لغتها، كالسجين الذي بحوزته مفتاح زنزانته، سيفتح يوماً باب زنزانته ويمضي، بيد أن مَنْ ينسى لغته، يفقد مفتاح الزنزانة، ويغدو حينئذٍ أسير سجّانيه...!
أودُّ القول بعد هذا الإسهاب أن كۆنێ ره ش، سار على نهج البدرخانيين، وما حفزه على المضي قُدُماً على درب الآلام الذي رسموه، هاجسه في التشبث بحجر الزاوية - أعني اللغة - للحفاظ على هويتنا القومية المهدَّدة على أكثر من صعيد، لأن الأمم التي تتحكم بمصير الكُرد اليوم، كانت ومازالت تتباهى بلغاتها وتُروّج بسموها، في الوقت الذي تستخف فيه بدونية اللغة "الكُردية"...!