مساعي التطبيع مع النظام السوري مستمرة

مساعي التطبيع مع النظام السوري مستمرة

بشار أمين

رغم الموقف الغربي المتشدد وخصوصاً أمريكا حيال رفضها لمسألة التطبيع مع النظام السوري، فإن معظم الدول العربية وبعض الدول الأوربية، ومنها دول عظمى مثل إيطاليا تمارس إجراءات التطبيع مع النظام السوري، وهكذا تركيا وعبر محور "استانا- سوتشي" ممثلاً بوساطة روسيا حيث تسعى وبهمّة من أجل تقاربها مع النظام، وبالتالي تحقيق التوافق بين الجانبين، ويذكر أن هناك مسودةَ اتفاقٍ بين الجانبين قيد التوقيع وعلى إثره يمكن تحقيق لقاء رئيسي الدولتين، وعلى الأغلب عند بوابة "بلدة كسب السورية" بين البلدين.
مع هذا التشدُّد الغربي لرفض التقارُب مع النظام السوري، إلا أن هناك ملامحَ غضّ الطرف الأمريكي ولو مرحلياً لمثل هذه الممارسات، وبالتالي إعادة العلاقات مع النظام السوري سواءً للوضع المأساوي بشكل عام، وما يعانيه الشعب السوري بشكل خاص، حيث صعوبة تأمين مستلزمات العيش من ندرة السلع والمواد الضرورية للحياة وتدنّي القدرة الشرائية لدى الغالبية العظمى من الشعب بمختلف فئاته وطبقاته الاجتماعية وانتماءاته القومية والدينية والسياسية لدرجة العجز عن تأمين قوته اليومي أحياناً، هذا من جهة، ومن جانب آخر عدم تجانُس المعارضة السورية وخصوصاً الداخل مع الخارج، وبالتزامن مع ظهور التطرف الأيديولوجي ومنه الديني والإسلام السياسي بأشكاله المختلفة، ما يعني صعوبة تشكيل البديل العلماني المناسب للتغيير في الوقت الحالي وفي الآفاق المنظورة، ما يعني هناك نوع من التوافق غير المعلن بين الأطراف المعنية لاستمرارية النظام حالياً ولو بشكل مؤقت.
إن للدول مصالحها السياسية والاقتصادية، سواء أكانت عربية أو أجنبية، ومنها تركيا بشكل خاص تسعى في هذا السياق للعديد من الأهداف والمرامي، منها ما يمكن التخلص ولو بشكل جزئي من العدد الهائل للمهجّرين السوريين الذي أثقل كاهل الدولة التركية، وما جعلها حجة لدى المعارضة التركية في العزف على وتر الجماهير والتقليل من شأن الحزب الحاكم، وكأهمّ ذريعة للدعاية الانتخابية الأخيرة، وهذا ما حصل في الانتخابات المحلية الأخيرة، حيث تقدم المعارضة على الجانب الحاكم في البلاد، كما أن سوريا ستصبح ميداناً اقتصادياً وسوقاً تجارياً لتركيا إذا ما حصل التطبيع المرتقب ..الخ، وعليه فإن التوافق على صفقة سياسية بين الجانبين "التركي والسوري" ليس غريباً عليهما حيث حصل في الماضي ما شابه ذلك مثال اتفاقية اضنة بينهما عام 1998، والتي حصل بموجبها خروج السيد عبد الله أوجلان، وأبرز كوادره من سوريا، ما يعني أن الصفقة إذا ما حصلت ستكون على حساب "قسد و ب ي د" من جهة والمعارضة السورية في تركيا من جهة أخرى، وهكذا تكون تركيا قد حصلت على العديد من مكاسبها السياسية والاقتصادية، وكذلك النظام السوري قد حقّق تقدماً في الجانب السياسي واستعاد جزءًا من أراضي بلاده، إلا أنه ينبغي أان يكون في الحسبان العديد من العراقيل والعقبات التي قد تعترض سبيل هكذا صفقات بين الجانبين (التركي والسوري) لِما لها من قضايا شائكة بين البلدين إضافة الى دور الجهات الدولية في هذا الشأن وخصوصاً أمريكا.
على العموم، فإن كل تلك المساعي والجهود الرامية إلى التطبيع وعودة العلاقات مع النظام السوري لا تشكل حلاً للأزمة السورية، وهي لا تعدو عن كونها مسائل أو حلول جزئية قد تخدم أجندة ومصالح بعض الدول والجهات ذات العلاقة، لأن الحل الحاسم للأزمة السورية يكمن في مخرجات المؤتمرات الدولية ولاسيما جنيف1 وقرارات مجلس الأمن الدولي وخصوصاً القرار رقم 2254 الذي أجمع عليه اعضاء المجلس كافة، وكذلك القرار 2118 وهكذا يمكن الاتجاه نحو الحل الأمثل لتلك الأزمة، لكن لماذا توقف العمل في المسار الدولي للحل؟ وازداد مسار استانا – سوتشي نشاطاً، هذا ما يمكن الوقوف عليه والبحث عن مسوغات هذا التوقف أو هذا التباطؤ، ربما لم تتم الترتيبات اللازمة لتنفيذ تلك القرارات، أو أن هناك خلافاً في تفسير تلك القرارات من حيث مرجعية جنيف1 أو عملية التفاوض أو حتى عمل اللجنة الدستورية، خاصة أن زمام الأمور في هذا السياق غدت في يد روسيا والنظام السوري، وليس الجهة الصادرة للقرارات يعني مجلس الأمن او المبعوث الدولي.
ما يعني ينبغي لدول الحلفاء ولاسيما امريكا السعي اتجاه تصحيح هذين المسارين، بغية سد السبل أمام الجهود والمساعي الجارية في هذا الاتجاه والتصويب نحو الحل السياسي الدولي للأزمة السورية.