بيوتنا.. مدارس أم مفارخ؟!
هنر بهزاد جنيدي
«البيت مدرسة».. جملة صالحة أن تقال من باب المديح، وكذلك من باب الذم بحسب مناسبة الكلام، لكن هنا ومن المنظور الفكري التنويري العام أراها ظاهرة سلبية، فالبيت مدرسة أي أن البيوت مفرخة لأفكار ومعتقدات وإيمانيات متشابهة وصورة عن بعضها البعض.
سأبدأ هنا بالمعتقد السياسي وبالشيوعية تحديداً -باعتبارها فكراً يسارياً تقدمياً أو من المفروض أن تكون كلّ ما سبق - فمثلاً: الجد كان شيوعياً فورّث الشيوعية لابنه، وابنُه ورّثها لحفيده، وهكذا لعشرات الأجيال، هنا يتفاخر أجداد وأحفاد العائلة أن البيت مدرسة، التفاخر هنا مبنيٌّ على حالة التطابُق والتشابُه بين الأجيال «حالة الفوتوكوبي» يعني «نسخة طبق الأصل» عن بعضها البعض، تختلف الأجيال والأزمان مع بقاء العقول والمعتقدات والأفكار والتصوُّرات والأساليب هي نفسها مع شحنة إضافية من التعصب، ولو أسقطنا الظاهرة على الحالة الكردية أيضاً سنخرج بالنتائج نفسها، فأنصار الأحزاب المتواجدون في الساحة حالياً موزّعون على ثلاثة أو أربعة تيارات أساسية، ولكلّ تيارٍ ساحتُه العشائرية والاجتماعية والجغرافية الخاص به، فالتوريث غير مختصر على القيادات بل منتشر وممتد إلى أصغر الحلقات في القواعد أيضاً.
والغريب في الظاهرة العامة هذه أن الأجيال الحديثة تكون غالباً من خريجي الجامعات وحَمَلَة الشهادات العلمية لكنهم مع ذلك لا يخرجون عن سرب العامة ولا عن سرب الأجداد فيما يعتقدون، ويحملون من أفكار، فيكون الجد شيوعياً أميّاً، وبعد خمسين سنة يكون الحفيد دكتوراً في الفلسفة إلا أنه غير قادر على الخروج من عباءة جدّه الشيوعي الأمي قولاً ومعتقداً وأسلوباً إلا في بعض التغييرات الشكلية الطفيفة، والأمر يزداد قتامة وبؤساً بين الأوساط والعائلات المحسوبة على الفكر الديني، فترى الجيل الرابع والخامس من أبنائها متبنون لمذاهب وطرق وشيوخ أجدادهم الأولين نفسها رغم الفارق الزمني الطويل، ورغم الطفرات العلمية العظيمة بينهم إلا أن العقول جامدة في زمن الأجداد!
البيت مدرسة بالمفهوم الذي شرحناه يعني أن واقعنا الفكري والسياسي هو في حالة مراوحة في المكان، تتغيّر الأزمان والأسماء لكن الواقع والعقول والأفق هي.. هي لم تتزحزح من مكانها، بل يضاف إلى الحاضر زيادة التعصُّب والتقديس لمدارس الأجداد، كان في زمن الرسول، مَن كان قادراً على نقده وانتقاد مواقفه وقراراته دون أن يُتهموا بالكفر ودون أن تقام عليهم الحدود؟
اليوم لمجرد أن تشكك بصحة حديث لأبي هريرة، أو تظهر عدم اقتناعك بشعيرة من الشعائر أو بكتاب من الكتب الدينية المشهورة حتى تتهم بأكبر التهم وترمى بأقذر الأحكام وتشتم بألفاظ مقززة.
.
واقعنا الأسود لن تنجيه بيوت تفرخ عالماً من العقول المتشابهة والمحنطة.
التغيير إلى الأمام وطَرْق أبواب الحضارة والحداثة والتنوير بحاجة إلى تجاوز البيوت والمدارس والجوامع والجامعات القديمة وإحلال مكانها مدارس تسلّح المتخرّجين بعقولٍ مرجعياتها العقل النقدي والتفكير العلمي لا الإيديولوجيات والعقائد المهترئة.
نعم للبيوت جاذبيتها حيث هي مكان الإقامة وعش الطفولة وذكريات الشباب، أما أن تتحوّل إلى متحف تحنط عقول أجيالها الحاضرة والقادمة فنحن هنا أمام مشكلة كبرى لن تسمح لبلداننا أن تخطوَ خطوةً واحدةً صوب مجتمع العلم والحضارة ومجتمع الإنسان.