كتابة اليوميات «فن قراءة الحياة»

كتابة اليوميات «فن قراءة الحياة»

هنر بهزاد جنيدي

لم يفتح لي شخصٌ ما قلبه يروي قصص عذاباته ونضالاته الخاصة إلا وتمنيت أن يكون بيدي قلمٌ ودفترٌ أو آلة تسجيل أسجّل تفاصيل قصصه تلك، كلُّ شخصٍ منا يملك قصة حياة تستحق أن تروى، فليس حياة المشاهير والمبدعين فقط مادة صالحة للتوثيق، كلا أبداً، فالشاب الذي خانته صحته والوفي الذي غدر به أهله، والمشتاق الذي أضاع عمره في غربته، تلك قصصٌ ودروسٌ وحكمٌ كانت ليكتب لها الفائدة والخلود لو أن أصحابها حاولوا صياغتها فناً وأدباً.
من الأشياء التي فاتتني في بداية حياتي وندمت عليها هي عدم كتابة يومياتي رغم بساطتها وخلوها النسبي من أي شكل من أشكال البطولات والمغامرات، سنوات طويلة بكلّ تفاصيلها وطلاسمها لم نعد نتذكر منها سوى العناوين العريضة فقط، ضاعت تفاصيل أسماء الأصدقاء، واندثرت الأحداث والمشاعر في زحمة السنين ضياعاً أبدياً كنا لننقذ الكثير من تلك التفاصيل لو قيدناها في دفتر.
«اكتبْ يومياتك» تكون هذه النصيحة من أولى النصائح التي ينصح بها علماء النفس وخبراء الكتابة والأدب لعامة الناس، فالبوح للورق والتعبير بالكتابة لها مفعولها السحري في شفاء الروح وفي إعادة التوازن النفسي للإنسان الذي يعاني الضغوط النفسية والحياتية، والكتابة عن الذات وتجارب الذات تنظم التفكير، وتخفّف الفوضى الداخلية في الروح والعقل، وكذلك تعتبر من أفضل الأساليب والتكنيكات التي تدرّب المرء على تمرُّس الكتابة والتأليف ، فغالبية الكتّاب بدأت خطواتهم الأولى واكتشفوا شغفهم بالسرد والكتابة مع دفاتر مذكراتهم اليومية.
تعدُّ قراءة مذكرات الأدباء والمفكرين مدخلاً أساسياً لا بد منه لاكتشاف مفاتيح الكاتب الإبداعية وعوالمه الفكرية، فما ينشره الكاتب في عشرات الكتب وعشرات الروايات من رسائل وأفكار وطروحات قد يكشفها دفعة واحدة في مقدمة سيرة ذاتية أو فقرة نثرية من يومياته الخاصة، مثالاً: قراءة كتابه «قصتي مع الشعر» يكشفُ الشاعر نزار قباني من خلال سرد سيرته الذاتية عن واحدة من أعمق الأسباب التي حوّلته إلى شاعر الحب، وشاعر المرأة حين يذكر حادثة موت شقيقته الوحيدة وصال والتي انتحرت لأن العائلة رفضت تزويجها لمن تحب، هذه الحادثة وهذه الخلفية ما كنتُ لاكتشفها إلا في مذكرات نزار، والأمثلة بالمئات لا مجال لذكرها هنا!.
في أحيان كثيرة يكون الجلوس مع الكتاب والمفكرين في سِيَرِهم ومقابلاتهم الشخصية والمباشرة أمتع من الجلوس مع كتبهم وأبطال رواياتهم، حيث يصرّحون فيها عن زبدة أفكارهم بصراحة تامة ومباشرة بعيدة عن التلميح ودون مواربات فنية أو أدبية.
التجارب الإنسانية إرثٌ مشتركٌ بين البشر جميعاً، ضاعت الكثير منها لأنها عاشت وماتت بموت أصحابها دون تدوين أو توثيق.
في النهاية أعتقد أن كتابة السير واليوميات هي طريقة كشف الذات أمام الذات قبل أن يكون كشفها أمام الآخر.