شاهد على التاريخ

شاهد على التاريخ

علي جزيري

قال جان پولات: (مصيبة أبناء الشرق تكمن في أنهم لا يُقدّرون الكفاءات الكبيرة إلا بعد رحيلها). وقال باستور يوماً أمام جمع من الشباب: "إدرسوا سيرة رجل عظيم، ستجدون فيها ما يُلْهِم ويُدْهِش".
ونتساءل بدورنا مَنْ يا تُرى هو الأجدر في الجزء الكُردستاني الملحق بسوريا بقراءة سيرته الحافلة؟ ما من شك أن الدكتور نورالدين زازا الذي لم يُنْصَف، جدير أن يُحتذى، لأنه أدركَ منذ نعومة أظفاره أن الكُرد يعيشون في جحيم، حيث أُجْبِروا على القول أنهم أتراك، وحُرموا من التكلم بلغتهم، وكانت تركيا الكمالية تلقنهم ايديولوجية «الذئب الأغبر» المبنية على التتريك وإنكار وجود الكُرد على أرضهم التاريخية، وأقامت جمهوريتها على أشلاء الأرمن وجماجم الكُرد، ونفذت مشاريعها صهرها العنصري، وصنّفَت الكُرد في عداد "أكراد الجبال"؛ لذا اضطّر زازا حين بلغ من العمر عشر سنوات النزوح برفقة أخيه د. نافذ إلى سوريا، وفور وصولهما قاما بتقديم طلب حق اللجوء السياسي للسلطات الفرنسية، بيد أنها رفضت الطلب، وهددتهما بالرحيل، مما دفع الأمر بأخيه نافذ لترديد عبارته البليغة: خُدِعْنا بشعارات الثورة الفرنسية (الحرية، المساواة والأخوة)، بيد أن الفضل يعود في بقائهما في سوريا للجهود التي بذلها الكرد والأرمن.
أمضى زازا شطراً من حياته في التنقل بين سجون سوريا ولبنان والأردن والعراق، ولما كان نزيل السجون العراقية، تدخل الخالد مصطفى البارزاني لدى السلطات البريطانية للإفراج عنه، ولما أدارت السلطات ظهرها له، أرسل البارزاني الوزير الكردي توفيق وهبي للسجن للاطمئنان على صحة زازا جرّاء إصابته بالملاريا، فنقله إلى المستشفى إبان حكم نوري السعيد، ثم أطلق سراحه بعد عام، فسافر إلى سوريا ونال الليسانس، واستعد للذهاب إلى سويسرا لإكمال دراساته العليا، وبعد نيله للدكتوراه عاد إلى دمشق من جديد ودَرَّسَ في جامعتها، لكن سرعان ما زُجَّ به في السجون (الشيخ حسن المزة)، ووضع تحت الإقامة الجبرية في السويداء، كما تم توقيفه عام 1966 في لبنان، وأدخلوه إلى حجرة رئيس المفوضين عمر نويري وكان معروفاً بعدائه للجالية الكردية في لبنان، وسبق له أن عارض جان پولات الذي منح الكرد اللبنانيين رخصة فتح مركزهم (الاجتماعي - الثقافي)، ورحلوه على متن طائرة إلى عَمّان.
وفي زيارة ودية للدكتور عزالدين مصطفى رسول في منزله الكائن بالسليمانية بتاريخ 3 أيار 2017، روى لنا الطرفة التالية: حين كان زازا معتقلاً في الأردن، أرسل البارزاني رسالة إلى رئيس وزرائها سعيد جمعة، يلتمس فيها إطلاق سراح زازا، وحين استفسر زازا عن سر إطلاق سراحه، لأنه لم يكن يتوقع أن يُفْرَج عنه بتلك السرعة، أجابه رئيس الوزراء بالحرف: لقد أمَرَني البارزاني بإطلاق سراحك...!
عبارة رئيس الوزراء تنمُّ عن احترامه الشديد للزعيم الكردي مصطفى بارزاني من جهة، ورسالة بارزاني لرئيس الحكومة بدورها تنمُّ عن تقدير البارزاني للدكتور زازا من جهة أخرى.
ما من شك أن د. نورالدين زازا كان يُدرك ببصيرته كنه النظام العالمي غير العادل، فكان يتساءل: متى يشعر العالم باضطهاد الشعب الكُردي؟ إني أجهل ذلك، ولكن الذي لا أجهله هو إنْ استمر هذا الاضطهاد، فإن شعوب المنطقة قاطبة لن تنعم بالهدوء والأمن والسلام...!