الأثر المعاكس ومسار الشخصية
صالح محمود
أجرى الحكيم والفيلسوف الهندي أوشو تجربةً بنفسه عندما جاءه أستاذ جامعي شاب يدرّس في إحدى جامعات الهند، وكان يشكو من مشكلة أزعجته كثيراً وهي اتهامه من قبل الآخرين بأنه عندما يمشي يتمايل كالنساء، وهذا الأمر كان يسبب له أرقاً وإزعاجاً شديداً، فما الذي فعله الحكيم أوشو؟ وكيف تصرّف معه؟ لقد فكّر أوشو ملياً ثم طلب منه أن يقلّد مشية المرأة، ويعيدها، ويكرّرها أمامه، ليتأكّد بنفسه إن كان هذا الأمر صحيحاً أو لا!! وامتثل الشاب للأمر، وحاول أن يقلّد مشية المرأة أمامه، ولكنه فشل في ذلك، ولم ينجح في تطبيق المشية التي كان يمشيها طوال أيامه الماضية في الجامعة، واختفت فجأة طريقة مشيته السابقة، لماذا حدث هذا الأمر؟ وبمثل هذه السرعة؟ وكيف يُفسّر هذا؟
لقد شرح أوشو هذه الظاهرة على الشكل التالي: إن مشية الشاب التي تشبه مشية المرأة هي حركة لاإرادية ونابعة من منطقة اللاوعي وبمجرد أن طلب أوشو من الشاب أن يفعلها انتقلت هذه الحركة إلى منطقة الوعي وبالتالي اختفت، بمعنى إذا أُخرجتْ فكرة من منطقة اللاوعي إلى منطقة الوعي ماتت، واختفت، لذلك خسر الشاب طريقة المشي التي اعتاد عليها بمجرد أن طُلب منه ذلك؛ انتقال الفكرة من الوعي إلى اللاوعي يعمل على اختفائها وتلاشيها وهذه واحدة من الأمثلة على نظرية الأثر المعاكس التي لها أوجه أخرى وتم استخدامها بشكل كبير من قبل مختلف الأجنحة السياسية في العالم، نظراً لطبيعة النفس البشرية التي تتسم بالعناد والصلابة، وترفض الطاعة والامتثال للأوامر وتميل إلى السير بعكس ما يُطلب منها، وكانت هذه المسألة محط اهتمام الأنظمة السياسية التي ضربت على هذا الوتر بكثرة، فيكفي أن تروّج لفكرة معينة وأنت ترجو تحقيق وتثبيت الفكرة المناقضة لها تماماً.
أما فيما يتعلق بمسار الشخصية فلكل امرئ مسار حياة إذا انحرف عنه تاه، لكلّ شخصية سياق إذا خرجت عنه شعرت بالاغتراب، ويكون المرء سعيداً إذا كان في مساره الخاص لأنّه يكون منسجماً ومتوافقاً مع ذاته، وإذا أُزيح عن مساره شعر بالكآبة والحزن، ولكي يعيد توازنه واستقراره عليه أن يعود، فالنفس تهدأ وترتاح عندما تكون في مسارها الطبيعي ومناخها المألوف، وتصاب بالقلق والتوتر في بيئة هجينة وغريبة، البشرية تتمرّد على ذاتها أحيانًا فتخرج عن خطها العام لأسباب قد تتعلق بالكبت أو الحرمان أو الضغط، وقد تكون بعض المغريات هي السبب أو نتيجة قمع معين، وهذه العوامل تدفعها وتشجّعها للخروج عن مسارها، ولكن هناك تيارٌ غامضٌ يكمن، ويسكن في كل شخصية، وهذا التيار يحمل في جوفه كل المؤثرات التربوية التي تلقتها هذه الشخصية خلال رحلة تكوينها وتشكيلها وهذا التيار الغامض والخفي هو القابض على الشخصية والمعبر الأول عن هويتها وهو الذي يعود بالنفس إلى مسارها الحقيقي حتى لو خرجت منه مرات عديدة، ولكي تضمن الذات بقاءها وأمنها واستقرارها عليها أن تعود إلى مسارها العام والطبيعي .
هناك عاملان أساسيان يلعبان دوراً في تكوين وصياغة الشخصية العامل الأول هو البيئة أو الوسط الاجتماعي الذي تنشأ وتنمو فيه، والعامل الثاني هو عامل الوراثة أو الجينات، فكلُّ شخصية تحمل جينات معينة تتوارثها عن آبائها وأجدادها، ولكن هذه الجينات قد تنسجم مع أي ظرف جديد، وتتفاعل معه، وبالتالي من المحتمل أن يصبح أبناء الفنانين أو التجار أو المقاولين أو النساجين مثل آبائهم، وأن يمتهنوا نفس المهن وأن يتقنوا نفس المهارات، ولكن هذا لا يعني أن يقتصر الأمر عليهم فقط، فهؤلاء الأبناء ذاتهم قد لا يكتسبون أياً من هذه المواهب أو المهن فيما لو كانوا أبناء أناس آخرين لا علاقة لهم بهذه المجالات.
إذاً: الموضوع ليس عامل وراثة بقدر ماهو حالة تفاعل وتأثر، وأما من النواحي الفيزيولوجية كلون العينين وطول القامة ونبرة الصوت، فالوراثة موجودة، أما من ناحية القيم الأخلاقية أو اكتساب مهنة أو الشغف بهواية معينة فالأمر يتعلق بالوسط التي تعيش، وتنمو فيه الشخصية وبالتالي تكون مرآة حقيقية لواقعها ونتاج ظروفها، وتأخذ شكلها المطلوب وفق هذه البيئة، فالأبناء يتأثرون بأشخاص ليس بآبائهم كمعلميهم وأساتذتهم ورفاقهم ويتحوّل تأثيرهم إلى صبغة، وهذه الصبغة تتحوّل إلى جين ينتقل من شخص الى آخر دون وجود صلة قرابة.