تأسيس البارتي.. عبر ودروس

تأسيس البارتي.. عبر ودروس

حسن قاسم

مرت سوريا بعد الاستقلال بمرحلة حرجة وعدم استقرار سياسي، حيث شهدت صراعات محمومة بين القوى السياسية والعسكرية.
بعد حيازة العسكر على البنية العسكرية إثر جلاء الانتداب الفرنسي ما شكّل لاحقاً نواة الجيش السوري.
الأعوام بين 1954 و1958 تميّزت بنشاط سياسي ليبرالي في مجمل سوريا وتم تعطيل هذه الحيوية السياسية بعد إعلان الوحدة بين سوريا ومصر في شباط عام 1958.
يتّفق المؤرّخون أن هناك عواملَ أخرى في الخمسينيات تسهم بشكل مباشر في الحنين إلى تلك الفترة، وهي هامش الحرية الواسع، والتداول السلمي للسلطة، والأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.
عرفت كوردستان سوريا، اعتباراً من عقد اتفاقية أنقرة سنة 1921، وترسيم الحدود بينها وبين كوردستان تركيا، وانضمامها قسراً إلى سوريا الحديثة، شعوراً قومياً متنامياً، ولاسيما بعد تأسيس تنظيم خويبون في 5 تشرين الأول 1927 بلبنان، وبمشاركة عدد من الكورد السوريين في التأسيس والنشاط، ومنهم حاجو آغا هفيركي، الأمير جلادت(1893 ـ 1951) واخوه كاميران (1895 ـ 1978) وآخرين، ويمكن القول إن الأطر الثقافية والتنظيمية والاجتماعية، التي تشكلت في كوردستان سوريا جلها كانت خلال فترة الثلاثينيات من القرن المنصرم.
تأسس (البارتي) في 14 حزيران 1957، كحاجة موضوعية للشعب الكوردي، وعلى مرحلتين: الأولى على يد كل من: عثمان صبري، وحمزة نويران، وعبد الحميد درويش، الشيخ محمد عيسى، والمرحلة الثانية بانضمام كل من: رشيد حمو، محمد علي خوجة، شوكت حنان، محمد خليل، وبذلك اكتمل بناء الحزب، والذي ترأسه الدكتور نورالدين زازا فور إعلانه، وأصبح عثمان صبري سكرتيره، وما إن أعلن عن تأسيس الحزب، حتى أقبلت قطاعات واسعة من الشعب الكوردي بالانضمام إليه، الأمر الذي أفزع الأجهزة الأمنية بشهادة مسؤوليها أنفسهم.
اُعتُقلت قيادة الحزب في آب 1960، بسبب موقفها السلبي من الوحدة السورية ـ المصرية (1958 ـ 1961)، إثر حملة أمنية واسعة، وحدث في السجن اختلاف في وجهات الرأي، حول الأسئلة التي وجهت إليهم من قبل قاضي التحقيق العسكري، فيما اذا ما كانوا جمعية أو حزباً، وتزعم كل من الدكتور زازا، وعثمان صبري طرفَيْ الخلاف، مما أدّى إلى حدوث انشقاق في الحزب في 5 آب 1965، إلى تيارين متخاصمين باسم اليسار واليمين، ومع أن كل طرف من طرفَيْ الانشقاق، ادّعى أنه يمثّل وجهة نظر أحد قطبَيْ الحزب السابقين، إلا أنهم لم يكونوا كذلك، بل مثلوا أنفسهم فحسب.
لقد دفعت الصدمة التي نجمت عن انشقاق الحزب، البارزاني الخالد كقائد يحظى بالشعبية الطاغية بين الكورد السوريين، إلى الطلب من طرفي النزاع الحضور الى منطقة نوبردان بكوردستان العراق سنة 1970، وكذلك دعا عددًا من المستقلين الوطنيين، بغية توحيد الحزب، وعلى الرغم من أن (اليسار) و(اليمين)، اتفقا على مبدأ الوحدة، إلا انهما تفرّقا، الأمر الذي دفع الأكثرية، للامتثال لمبدأ الوحدة، وأطلقت عليهم تسمية (القيادة المرحلية) بزعامة دهام ميرو ورفاقه المؤمنين بنهج وحدة الكورد.
شهد (البارتي) منذ انعقاد المؤتمر الوطني التوحيدي الأول في آب1970، برعاية البارزاني بمنطقة نوبردان، الى وقت انعقاد المؤتمر الحزبي الثاني 1972، سلسلة من الأزمات السياسية والتنظيمية والهزات العميقة، ولكن تلك الظروف غير الطبيعية، وكانت بمثابة إرهاصات لابد منها، ليكتمل صعود الحزب، وليتخلّص من الشوائب التي كانت تؤثر على بنيته وتمنَعُه من أن يلعب الدور المرجو منه، لذا كان من الواضح أن الحزب بدأ باستقطاب الإقبال الجماهيري الواسع، على العكس من كل من تياريي (اليسار) و(اليمين) اللذين تلقيا ضربات موجعة في حجم التأييد الشعبي لهما، وأصبحت شرائح كثيرة من أبناء الشعب الكوردي، تنظر إلى قيادة كل من التيارين، نظرة القيادات الباحثة عن مصالحها الحزبية الضيقة، وضرب تجربة الوحدة عرض الحائط، على العكس من تيار (الوطنيين الكورد) الذين أصبحوا نواة (البارتي) وقوته الفاعلة على الساحة الكوردية في سوريا، باعتباره الوحيد الذي امتثل لمبادئ الوحدة.
يعدُّ (البارتي) نفسه الامتداد الطبيعي لأول صيغة وحدوية، حيث دأبت أدبياته على توضيح تلك الحقيقة، ومن ذلك أن جريدته المركزية (دنكى كورد/ صوت الأكراد) نشرت في افتتاحية العدد (308)، تموز2000، أن (البارتي) هو الوريث الشرعي لأول عمل وحدوي عبر المؤتمر الوطني الأول، وفيه تمت الإشارة إلى أنه بسبب المكانة الخاصة التي كان يتمتع بها الشعب الكوردي في سوريا لدى البارزاني، فقد بذل جهوداً حثيثة لإعادة لحمة الحزب وتوحيد صفوفه للانطلاق من جديد في المسار الوحدوي، فكان المؤتمر الوطني الأول، والذي كُرِّس لتوحيد صفوف الحزب وجذب كافة الكوادر التي تركت صفوفه ورفدته بطاقات وطنية معروفة بإخلاصها وثقلها الجماهيري، بفئاتها وشرائحها الوطنية، وأثبت أن الوحدة لا يجوز المساس بها، لذا فإن (البارتي) يعد الامتداد الطبيعي الذي تمخّض عنه ذاك العمل الوحدوي.
يمكن القول بناء على ما تقدم، أن (البارتي)، انطلق من رحم المعاناة الكوردية في كوردستان سوريا، وقدّم مشروعاً فكرياً، واستطاع أن يعير اهتماماً بالحياة السياسية الكوردية، ويكون مساهماً فعالاً فيها، ويمكن ملاحظة قوة بنيان الحزب في الحياة العامة، بسبب تجذُّر تجربته النضالية الدؤوبة، كما كان له دور مشهود في الحراك السياسي والاجتماعي الكوردي طوال عقود، ومع ذلك فإن (البارتي) شهد أشكالاً مختلفة من الهزات، تراوحت بين الهزات البسيطة، والإزاحات الكبيرة، التي عملت على تقويض مساحات واسعة من البناء الفكري والسياسي للحزب، نتيجة مضايقات السلطة وخروج أعضاء من الحزب من صفوفه في ظروف وأوقات حرجة، والتباهي بالادّعاء والقطيعة مع الماضي والثورة عليه، والخروج على ما سلف من الأساليب النضالية، في وقت كان يجدر بالمنشقين الشروع بمعالجة المفاهيم التي كانت تنسل وتحاول تدمير ماهو موروث من الأفكار والرؤى، الأمر الذي أدّى إلى خلق مناخٍ حزبيٍّ مأساويٍّ حادٍّ، ممّا جعل الجماهير الكوردية تنظر إلى تلك الانشطارات بعين من الريبة والازدراء، وتلتف حول (البارتي) بقيادته الشرعية التي آمنت بجذرية التغيير عبر القنوات الحقيقية، وليس عن طريق القطيعة التراثية مع نضال الحزب وتبنّي علاقة تضاد مع الماضي.
الحزبُ مطالبٌ اليوم وفي غمرة أحداث الثورة السورية، أن يبقى وفياً لأبنائه البررة، شهداء الكورد وكوردستان.