خمسة أيامٍ في مخيم البارزاني "2"

خمسة أيامٍ في مخيم البارزاني

مرفان باديني

في لحظة سكونٍ وتأملٍ إنساني وأخلاقي، تشرق في الجانب الآخر من «بارزان»، حيثُ الحكمة والإدراك، فعقيدةُ بارزان الدين هو الأخلاق، هذا التراثُ الروحيُّ العميقُ الغنيُّ امتدادٌ لتعاليم شيخ بارزان، فبعد كل الذي تعرّضت له منطقة بارزان من حروبٍ وحملات قتل السكان، وتدمير منازلهم وتهجيرهم بالآلاف وهدم وحرق ونهب المنازل والمزارع والكروم، وطمر الينابيع واتباع سياسة حرق الأخضر واليابس، وإلقاء الكتب في النهر، حيث بلغت عدد مرات تدمير المنازل ودور العبادة من جوامع والكنائس "12" مرة وفي كل مرة تعود لتُبنى من جديد.
تأسست كونفدرسيون بارزان على زمن الشيخ عبدالسلام للدفاع عن نفسه وشعبه وأرضه، فضمَّ عدة عشائر من بارزان «شيروان – دولمري – مزوري – كردي – هردي – بروزي – نزاري»، فسحت المجال أمام التعايش السلمي المنشود بين شعوب المنطقة، فكان يعيش مسيحيون ويهود ومسلمون في بارزان.
كنا نقرأ عن بارزان، وما هو موجود بين دفات الكتب من :«ثوراتها – نضالها – أرضها – سمائها هوائها – مائها – طبيعتها – دور عبادتها من جوامع وكنائس"الخ...بما نراه وما لا نراه، ما نسمعه وما لا نسمعه، إضافةً إلى التنوُّع البيئي والحيواني وكثرة أشجار الجوز والكروم والبساتين على اختلافها مشكلّةَ منبع التعايش والإشعاع الفكري والثقافي.
من المهم بمكان استيعابُ الإنسان لمعنى الوجود والحياة، أن تتمتعَ بجمال الوجود ولو لبضع ساعاتٍ، فما بالك ونحنُ عشنا تجربة الجمال هذه خمسة أيامٍ في ظل بارزان ومناظرها وطبيعته الخلاّبة.
شكّلت فعاليات المخيم التدريبي فرصةً ذهبيةً أتاحت لشبابنا وشاباتنا للتأمل واستكشاف بارزان عن كثب، وتجلّى ذلك من خلال زيارتنا لمعالمها وأماكنها ورؤيتها بأم أعيننا، بدءًا من مزار الخالدين «ملا مصطفى البارزاني وإدريس البارزاني» إلى النصب التذكاري لشهداء الأنفال، كذلك زيارة تكية بارزان القديمة «جامع عاقد»، إضافة زيارة كهف «شانه ده ر» الضارب في القدم واستكشاف تاريخه القديم في جبال زاكروس، كما كانت لزيارة قرية «بيديال» علامة بارزة في العدالة والتسامح الديني ونموذج التعايش بين مكوّناته من مسيحيين ويهود ومسلمين تجربةً يحتذى بها بين جميع الأمم.
امتزجت الأصالة وقيم التسامح المشترك في بارزان، وتجسّدت في لوحة جميلة أمام أعيننا كنموذج حيٍّ وباقٍ أثبتت أن إرادة الخير تغلب دوماً إرادة الشر.