أحكامُنا بين التّقديس والتشويه

أحكامُنا بين التّقديس والتشويه

هنر بهزاد جنيدي

كتبتُ يوماً مقالة مُطوّلة عن الفنان الكوردي المعروف «شفان برور» نشرتها على صفحتي الفيسبوكية، أشرت من خلالها إلى بعض ما يتّصف به شفان من ثقافة عالية وأفكار تنويرية، وسلطت الضوء على دوره كفنانٍ زَرَعَ، ونشر القِيَم القومية بين الشعب الكوردي في مرحلة مهمة وحرجة من تاريخ قضيتنا المعقدة، وأتذكر أن منشوري ذاك أخذ نصيبه من تفاعلات وتعليقات القراء، وكان غالبيتهم من الأصدقاء يلومونني فيها على هذه الشهادة الإيجابية بحقّ هذا الفنان الكوردي والذي كان لهم عليه بعض المآخذ، وحسب رأيي فإن حججهم تلك وأدلتهم المخالفة لتقييمي العام كانت سطحية وهامشية مقابل الدور والتأثير الكبيرين اللذين لعبهما شفان برور بصوته وكلماته لخدمة ونصرة القضية الكوردية.
وحدثت معي الحالة نفسها مع صورة نشرتها للملاكم العالمي محمد علي كلاي فجاءتني تعليقات عامة ورسائل خاصة، طلب بعضهم مني حذف صورة كلاي بحجة أنه لا يستحق هذا التقدير والاحتفاء لأنه زار يوماً بغداد واستُقْبِلَ من قبل ديكتاتور العراق السابق صدام حسين.
تساءلت بيني وبين نفسي: في حال قمنا بمعالجة تاريخ وسير المناضلين والمبدعين سواء بين الكورد أو في العالم بناءً على هذه التصورات، وبهذا المنطق القائم على حرق الكل بالجزء وقتل الجوهر والمضمون بالقشور والهوامش فمن سينجو من عقليتنا القاتلة للقيمة التاريخية للآخر المبدع، حيث يتم إنكار عطاءاتهم العظيمة بسبب مواقف هامشية سُجلت عليهم وبسبب هفوات ونزوات حياتية لا علاقة مباشرة لها برسالتهم الإبداعية والوطنية.
«فمن كان منكم بلا خطيئة فليرمهم بحجر!»
نحن هنا لا ندعو إلى التّساهل في منح الصفات والنياشين المجانية لأحد ولكن أيضاً مطلوب منا على الأقل بعض الموضوعية والعدالة فيما يخصُّ تقييماتنا وشهاداتنا حول بعض الشخصيات الرمزية العامة والمؤثرة في مجال عملها، فالأحكام والتقييمات التاريخية أعمق من كونها إما أبيضَ أو أسودَ.
برتراند راسل كان فيلسوفاً ملحداً، ولكن إلحاده لم يلغِ عنه عمقَ دراساته العلمية والفكرية وسعةَ اطّلاعه الموسوعي وقوة منطقه وحججه، ولا يُنكر جهوده المبذولة ونضاله المشهود له من أجل قضايا السلم العالمي ودخوله السجن بسبب مواقفه الحاسمة والمبدئية في وجه سياسات الدول الكبرى فيما يخصُّ سباق التسلح ومطالباته بالحدّ من انتشار السلاح النووي.
نوال السعداوي كانت كاتبة جريئة ومتمرّدة بقفزات كبيرة، وتسببت تلك الجرأة في عدم تقبل أفكارها وبطء انتشارها في مجتمعاتنا المحافظة والمتدينة بينما، وفي الجانب الآخر فإن كتاباتها ودراساتها ومناظراتها قد لعبت فيما بعد دوراً كبيراً في حلّ ومعالجة الكثير من الظواهر الاجتماعية الخطيرة التي كانت محسوبة على الدين والعلم وهي في حقيقة الأمر لم تكن إلا بدعاً و جهلاً بالدين، وبالعلم مثل ظاهرة ختّان المرأة وانتشار جرائم الشرف ومشاكل الأطفال غير الشرعيين وغيرها الكثير.
أعدم الضابط الإيطالي غراتسياني الثائرَ الليبي عمر المختار، الخصم العتيد للقوات الإيطالية، ولكن حين عاد غراتسياني إلى إيطاليا ألّف عن المختار كتاباً، وسطّر في بعض صفحاته أعظم وأروع وأصدق ما يقوله ويكتبه ضابط فاشي عن خصم ثائر.
حين نكتب بِنَفَسٍ تاريخي وكشهود على سيرة ما وتجربة شخصية ما فعلينا هنا أخذ صورته العامة ككل، لا كأجزاء منفصلة، ولا كمواقف متناثرة، ويفترض ذكر ما لهم من نقاط، وما عليهم فيستفاد من جوانبهم الإيجابية تعزيزاً واقتداءً وأيضاً من محطاتهم ومواقفهم السلبية دروساً ومواعظَ.
«إن بها ملكاً لا يظلم عنده أحد وهي أرض صدق»
تلك كانت شهادة نبينا محمد بحقّ الملك النجاشي (غير المسلم) حاكم الحبشة حيث وصفه بالعادل وأرضه بالصدق!