الشيخ الذي ترجم الإسلام إلى اللغة الكردية! -1-
هنر بهزاد جنيدي
خطب في عيد نوروز باللغة الكردية، واعتذر فيه من الشعب الكردي لأن رجال الدين الكرد وعبر التاريخ الطويل لم يقوموا بواجباتهم ودورهم القومي كما يجب، ووعدهم أنه من هذه اللحظة لن يترك شعبه الكردي وقضيته القومية العادلة وحيدة، وسيكون معهم في الأفراح والأتراح، وخطب في خيمة الشهيد فرهاد خطبة أوصل صوته الثابت والقوي ووعيده للظالمين إلى قصور ومسامع السلطة في دمشق.
-2-
شيخ الشهداء محمد معشوق الخزنوي، امتلك الكاريزما الاجتماعية والدينية، وامتلك المؤهلات العلمية والقدرات الخطابية التي تؤهّله ليكونَ واحداً من أقوى الزعامات الكردية في تاريخنا المعاصر، نعم كان ليشغل على الأقل كرسي الزعامة القومية والدينية بين الكرد في سوريا، هذا الكرسي الذي طالما انتظر الكرد من يشغله، ويقودهم مُتّحدين إلى برّ الحرية والأمان، أحبّهُ كلُّ الفئات العمرية وقواعد كل الأحزاب السياسية وغالبية قادتها.
-3-
خطب في المناسبات القومية خطباً نارية فتبعه الشباب الكرد إلى المساجد للصلاة خلفه كان بركاناً من الشجاعة والفصاحة، لا يستحضر خيالك وأنت تستمع إليه سوى صور العظماء من رجال التاريخ الإنساني، أولئك الذين غيّروا العالم ببصماتهم الفردية، تتذكّر معه مارتن لوثر الألماني قائد حركة الإصلاح الديني في الغرب ويذكرك بلوثر كينغ الأمريكي الذي قاد ثورة الزنوج ضد التمييز العنصري، وبمانديلا جنوب أفريقيا، وبالقاضي محمد الكردي.
-4-
المطّلع على سيرة الشهيد الدينية والعلمية سيدرك أنه كان يعي ما ينتظره، وما الصعوبات التي عليه تجاوزها؟ فكان يتحضّر لها، كان الشيخ في سيرته يسير على خطا المصلحين والمتنوّرين الكبار، جهّز نفسه للدور الذي ينتظره، وللرسالة التي سيحملها، وآمن بها، رسالة التنوير والعدالة ومنهج العقل والحداثة، قضى القسم الأكبر من عمره في الظل يدرس، ويتعلّم، ويسافر، ويبني العلاقات، ويشرّح الدين قرآناً وسنة وتراثاً، كان مهموماً بواقع شعبه الكردي المظلوم، ويحمل قضيته القومية في صدره.
-5-
فكانت أحداث انتفاضة قامشلو في ٢٠٠٤ الحدث الأهم الذي لم يستطع فيه الشيخ الشهيد إلا أن يخرج بعمامته، وصوته ليقف إلى جانب الحقّ والحريّة ضد الظلم والقتل والاستبداد، وإلى جانب دماء الشهداء ضد القتلة وبنادقهم.
فضح الشيخُ مواقف علماء السلطة من المتحججين بالروايات والأحاديث الضعيفة الواهية والكاذبة فقط للتهرُّب من واجباتهم القومية والإنسانية وللتقرُّب إلى الحاكم في الوقت الذي يفرض عليهم الإسلام أن يكونوا مع أقوامهم كما كان الصحابي الكبير سعد بن عبادة الذي بقي ممثلاً لصوت قبيلته في خلافهم مع الرسول الكريم فكان الصحابي في صفّ قومه مبرراً لهم ومحاوراً الرسول دفاعاً عن حقوق قبيلته ولم يتبرأ من قومه، وانتقد الشيخُ الخزنوي مواقف الشيخ البوطي مع قومه، وأبناء جلدته من الكرد في سوريا والعراق.
-6-
«أنا خبير بالألغام الدينية» وعليّ انتزاعُ الألغام المزروعة بين الكرد والإسلام، قالها الشيخُ الشهيدُ، واستشهد وهو يفكّكُ تلك الألغام التي زرعها من استغلوا الدين سياسياً وقومياً وفردياً، ونجحوا في ذلك عبر آلاف السنين، فركب العرب والترك والفرس والعالم صهوة الإسلام السياسي، وبنوا لشعوبهم أوطاناً ودولاً لكنهم استكثروها على الكرد باسم أخوة الدين ومصلحة الأمة وثواب الآخرة، رحم الله شهيد الإسلام برحيله خسر الإسلام في العالم صوتاً إنسانياً متنوراً، وكان رحيلُه المبكّر خسارة للشعب الكردي وللوطن السوري وللعالم الإسلامي.