في مديح الشيخوخة

في مديح الشيخوخة

هنر بهزاد جنيدي

واضح من العنوان أن موضوع مقالنا اليوم يتناول مرحلة الشيخوخة وهي مرحلة عمرية لها رهبتها، وتأتي قاسية على الكثيرين إلا ما رَحِمَ ربُّك، ومع خوفنا منها إلا أننا نسعى إليها، ونحلمُ بها جميعاً من خلال متابعة صحتنا اليومية، ومن خلال محاولات المحافظة عليها بالرياضة والحميات الغذائية، وعبر تطوير الطاقة الروحية.
ولا يكرّم الله كلَّ عباده ببلوغ هذه المحطة وإنما هي أرزاق وأقدار، وأتمنّى كغيري بلوغها برفقة صحة الجسد، وحكمة العقل وطمأنينة الروح والبال.
«في مديح الشيخوخة» كتابٌ يعود تاريخ كتابته قبل آلاف السنين كتبه الأديب والخطيب الروماني «شيشرون» وهو في الـ 84 من عمره.
شيشرون كان رجلَ دولة معروفاً في التاريخ الروماني ومحامياً وسياسياً وباحثاً وكاتباً رومانياً، ويُعدُّ من أهم أدباء عصره، ومن أشهر وأقوى خطباء روما، والكتابُ من ترجمة فتحي أبو رفيعة.
الكتاب صغير الحجم، يتألف من 100 صفحة، لكنه يكاد يكون شاملاً فيما تناوله بخصوص غايته الفلسفية من تأليف الكتاب.
المؤلف يعالجُ مخاوفنا، ومخاوفَ جيله من كبار السنّ حول كابوس التقدم بالعمر، ويعالجُ أهمَّ أسباب تعاسة هذه المرحلة كضعف الجسد وعدم القدرة على ممارسة بعض النشاطات مقارنة بالمراحل الأولى، فقبل كل شيء يطالبنا أن نتبنّى روح الحكمة والتعقل، فبدون هذه الروح لن يكون الإنسان منسجماً مع نفسه لا في الشباب ولا في الشيخوخة، ولكن مع التحلّي بالحكمة يصبح الطريق سالكاً لتقبُّل الخسائر والاستمتاع بالبدائل ، فالشيخ الذي كان في شبابه مصارعاً في الحلبة قادر على الاستمرارية بنفس النشاط ولكن كمدرب لا كمقاتل، وعن مخاوف ضعف الذاكرة، في رأيه أن العقل الخامل والكسول هو العقل المعرّض لهذا الضعف، أما العقل الذي يُدرّب يومياً على التذكّر والتكرار والكتابة والاهتمام فلن ينطفئ بسهولة، فقلة الشغف وقلة الاهتمام هما من أهم أسباب ضعف الذاكرة، فلن نسمع مطلقًا عن أيّ مصابٍ بالشيخوخة نسي المكان الذي خبأ فيه نقوده! فالمسنُّون يتذكّرون دائمًا ما يهمهم.
عن خفوت حدّة الملذات الحسية، كالجنس مثلاً، فبرأيه أن خفوت هذه الملذات في مراحل أعمارنا الأخيرة لها عظيم الفائدة في منح أجسادنا وأرواحنا شيئاً من السكينة والهدوء والعفّة والراحة كشروط للتأمُّل العميق والهدوء الحكيم، وكمحصلة فإنك إن لم تشتهِ شيئًا؛ فلن تشعر بفقدانه.
حول مشكلة الخوف من الموت، فلماذا يشغل الشيخ منا نفسه بمخاوف تعاسة الموت طالما أن الموت هو المحطة الأخيرة لكل النفوس الحية؟؟ ولا مفرَّ منه، ولا تخرجُ المرحلة التالية للموت من إطار احتمالين لا ثالث لهما فإما فناء أبدي للروح أو خلود أبدي؛ فأي مشكلة للشيخ الحكيم مع كلتا الحالتين!
الكتابُ ممتعٌ كموضوع، سهلٌ كلغة ترجمة، عميقٌ ومهمٌّ كأفكار، وأفكارُه مهمة لكل المراحل العمرية، فكما يقول شيشرون أن التحضُّر الجيد لمرحلة الشيخوخة يبدأ من مرحلة الشباب، وكلما أسرعت بتطبيق الوصايا في مقتبل عمرك كانت شيخوختك أهدأ، وأوقر وأثمر، وأقوى.