ماذا ننتظر بعد من بغداد؟!

ماذا ننتظر بعد من بغداد؟!

زيدو باعدري

المتتبع لتاريخ العراق الحديث يجدُ مواقف معادية بارزة للعيان تجاه كوردستان، نحن لسنا بصدد ذكرها جميعاً، لكن المرء أحياناً يضطر أن يضع ما يدور في رأسه، ويبوح به على الملأ، حيث كانت أول استخدام للبنادق والمدافع أطلق نحو اهالي كوردستان في السليمانية من قبل الجيش العراقي، وإسكان عشائر عربية في مناطق الحويجة بكركوك والربيعة في نينوى.
هذه كانت أول عملية تغيير ديمغرافي وحرمان أمة بكاملها من التعليم بلغتهم وفرض اللبس العربي (عقال) على اهالي شنگال وتلعفر وزمار ووانك وبعشيقة وبحزاني وبغديدة وقرقوش وتلكيف في نينوى، إضافة على ذلك حرمان الكورد من المشاركة الرمزية في الحكم، حيث جعلوا من العراق الحديث باحة خضراء لجميع العرب إلى درجة لا يمكن لأحد إنكاره، حيث بعد الحرب العالمية الثانية أصبحت خيرات العراق لبلدان ودول مثل فلسطين وغيرها من الدول العربية ذات نهج قومي شوفيني مُقيت، في حين أن العراق بأكمله من البصرة الى زاخو كان بأمس الحاجة الى الخدمات على مستوى البنية التحتية والانسانية حيث كانوا محرومين من الكهرباء والخدمات الاساسية من التربية والتعليم والرعاية الصحية الاولية، وربط العراق مع جهات لا تخدم المواطن العراقي عامةً وكوردستان بشكل خاص، بل كانت تعادي المواطن الكوردي بسبب انتمائه القومي واختلافه الثقافي، وهذا لا يمكن التخلّي عنه من قبل أي إنسان في أي بلد كونه حقاً أساسياً وطبيعياً لكل إنسان على وجه الأرض.
بعد القضاء عسكرياً على ثورة الشيخ محمود الحفيد انتهجوا نفس السلوك للقضاء على الثورات الكوردية، ومنها ثورة بارزان الاولى والثانية ومحاربة الحركات التحررية الكوردستانية والجمعيات والأحزاب الكوردستانية والنخب المثقفة الكوردستانية، وكان مصيرهم الاعتقالات وزجّهم في السجون والنفي الى مدن بعيدة ونائية.
هكذا كانت كوردستان تحترق على نار الحكومات المتعاقبة في العهد الملكي، بعد الانقلاب على النظام الملكي من قبل عبدالكريم قاسم واعوانه في تموز عام 1958، حيث استبشر الكوردستانيون خيراً، لكن إلى الآن العقلية الشوفينية العربية الموروثة من أسلافهم لا يقبلون الآخر، ولا يخاطبون الآخر إلا بلغة السيف وإيمانهم بمحو الآخر.
نتيجة هذه السياسة اندلعت ثورة أيلول الوطنية الكبرى عام 1961، وشارك فيها الكوردستانيون من مندلي الى زاخو وطالبوا بحقوقهم المشروعة المتمثلة بالحكم الذاتي الحقيقي في كوردستان والحقوق الثقافية والاجتماعية للكورد في العراق والديموقراطية لجميع الشعب العراقي، ودام النضال المسلح لغاية عام 1970 حيث تم إعلان اتفاقية 11 آذار التاريخية واستمرت لمدة أربعة أعوام، وكعادتهم المتوارثة من أسلافهم قاموا بتدبير وحياكة مؤامرات في الدهاليز المظلمة حيث ذهبوا إلى الجزائر، واتفقوا مع شاه ايران والتآمر على الكورد مقابل التنازل عن جزء كبير من الأراضي العراقية والعربية منها طنب الكبرى وطنب الصغرى وزين القوس وسيف سعد ونصف من مياه شط العرب، وكذلك محاربة عرب الاحواز وطرد الامام الخميني من النجف قسراً، ونتيجةً لهذه السياسات الخاطئة اندلعت الحرب الايرانية والعراقية لمدة ثماني سنوات ولم تربح العراق في الحرب بل دفعت تعويضات باهظة، ونتيجة التعويضات الكبيرة التي لم تستطع إيفاءها ولأجل عدم تسديدها غزا العراق دولة الكويت واحتلها، وجعلها المحافظة التاسعة عشرة، وتم تحريرها من قبل قوات التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الامريكية وبقرار من مجلس الامن الدولي. وهنا نذكر ان الضغط يولد الانفجار وهذه نتيجة طبيعية من الناحية الفيزيائية للمجتمعات والشعوب، حيث كان الثوار الكوردستانيون بالمرصاد لاستغلال هذه الفرصة وقاموا بانتفاضة آذار المباركة عام 1991 وحرروا اغلب مدنهم وقراهم، وكانت نتيجة هذه الحرب وانتفاضة الكوردستانيين والشيعة في جنوب العراق اضطر نظام صدام حسين الحاكم الى توقيع الاتفاقية المعروفة باتفاقية خيمة صفوان، وتضمنت الاتفاقية على دفع التعويضات للكويت والسعودية وتحمل تكاليف قوات التحالف في عملية تحرير الكويت.
أثناء التوقيع على الاتفاقية طلب الجانب العراقي استخدام الطائرات المروحية العسكرية والطائرات لغرض قمع انتفاضة الكورد والشيعة، وبعد قمع انتفاضة الشيعة في جنوب العراق والهجرة المليونية للكورد، تدخل مجلس الامن وتم فرض حظر الطيران على كوردستان وجنوب العراق، وكعادته لجأ النظام الحاكم الى المفاوضات مع الجبهة الكوردستانية، برهن الكورد للعالم اجمع بأنهم اهل السلم وايمانهم بالحوار وعدم اللجوء الى السلاح ولم يطمعوا يوماً بأراضي الغير.
بعد عدم التوصل الى حل جذري حيث سحب النظام العراقي جميع الدوائر من كوردستان الى الموصل وكركوك، اضطر الكوردستانيون لتشكيل حكومة وبرلمان كي يديروا بلدهم في كوردستان، وقد تم الترحيب بها عالمياً، في المقابل قام نظام صدام حسين بفرض حصار قاسٍ على كوردستان، كان الهدف من الحصار هو تجويع الكوردستانيين، ولكن بعد اتفاقية النفط مقابل الغذاء قررت الامم المتحدة تخصيص 13% من واردات النفط لحكومة كوردستان، وبذلك انتعش الاقتصاد في كوردستان على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
استمر هذا الوضع لغاية عام 2003 حيث تم اسقاط نظام صدام حسين وتحرير الشعب العراقي اجمع، في حينها طلب سياسيو العرب العراقيون من قادة الكورد إرسال ما يقارب 10,000 من قوات البيشمركة للحفاظ على دوائر الدولة والمصارف والمستشفيات ومصادر الطاقة في بغداد العاصمة ولمنع سفك الدماء داخلياً، ومنذ ذلك اليوم عاد الحكم العربي (الشيعي والسني) الى بغداد وبدل ان يردوا الاحسان بالاحسان قاموا بتهديد كوردستان بشتى الوسائل منها إعلان الحرب على كوردستان من قبل داعش والحشد الشعبي وفرض حصار بشكل مباشر وقطع الميزانية المخصصة لكوردستان والمستحقات عن الشعب الكوردستاني، وقاموا بإعلان النفير العام والقيامة على الكورد بعد اجراء الريفراندوم عام 2017، وتحريض دول الجوار على التدخل في شؤون كوردستان وهذه كانت من آخر ابتكارات نظام بغداد، واسفنا على البعض من المحسوبين على كوردستان ويفتخرون بعراقيتهم بالرغم من التراجيديا المستمرة من عام 1921 الى يومنا هذا.
يمكننا تلخيص بعض المواقف الانظمة المتعاقبة تجاه كوردستان وهداياها للشعب الكوردستاني في النقاط التالية:
1) التعريب القسري والتغيير الديموغرافي المستمر.
2) التهجير القسري والاستيلاء على الاملاك بشتى الوسائل والتدابير.
3) محاولة اغتيال القائد الخالد ملا مصطفى بارزاني في 29 أيلول عام 1971
4) محاولة اغتيال الرئيس مسعود بارزاني في العاصمة النمساوية فيينا في 8-1-1979
5) تدمير القرى ودور العبادة ونهج سياسة الأرض المحروقة.
6) استخدام السيف البتار والأسلحة المُحرّمة دولياً كالنابالم والكيمياوي التي تم استخدامها في قلعة دزة وبادينان وحلبجة.
7) قطع الميزانية والمخصصات والرواتب.
8) ضرب المدنيين العزل بالصواريخ بالتعاون مع الدول المجاورة.
9) تدمير قطاع الانتاجي من الكهرباء والبنى التحتية
وعجبنا من هذه الهدايا التي أهدتها أنظمة بغداد الى كوردستان تحت مظلة سورة الأنفال!!