الأحزاب الكردية في سوريا.. وانتفاء العمل المؤسساتي
شادي حاجي
لم تكن الأحزاب في يوم من الأيام ومنذ ظهور أول تجربة حزبية في تاريخ البشرية تنظم لمجرد واجهة النظام السياسي وتقديس السكرتيرين والقادة وإضفاء الشرعية على وجودهم بل وجدت لتلد مؤسسات وأجهزة تشريعية وتنفيذية تتوفر على المصداقية، ولتكون أداة نضالية قادرة على تحقيق طموحات وتطلعات الشعوب والأقليات لتقرر مصيرها وتنال حقوقها وتحكم نفسها بنفسها وتحمي خصوصيتها وتحقق مصالحها وتحفظ كرامتها. كما أن الأحزاب لم توجد بغية اختصار المسافات بين الطموح الشخصي لقادتها وحجز مقاعد ومناصب لها داخل هذا الحزب أو ذاك أو هذا المحفل أو ذاك ولا حتى لكسب تأشيرة المرور الى ضفة تحقيق الشهرة والمكانة التي تؤمن لهم موقعاً في التراتيبة الاجتماعية، لكن لا غرابة ولا داعي للدهشة لسبب بسيط وهو أنه وكما يبدو أن مفهوم الحزب في المجتمع يختلف عن المفاهيم والتقاليد السائدة لدى أحزاب الشعوب أصحاب الأنظمة الديمقراطية الراسخة.
إذ تكاد الأحزاب الكردية تتمرد على مبدأ خدمة الوطن والشعب والقضية وفلسفة التمثيلية الصادقة للشعب تحت ذريعة الديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان وحرية الرأي والتعبير، بسبب ما حدث في التجارب الحزبية السابقة والحالية وربما تكون اللاحقة اذا بقيت الأمور على المنوال التي هي عليها ولعل آخرها تشكيل أحزاب نتيجة انشقاقات جديدة بالرغم من وجود العدد الكبير غير المبرر أصلاً والتي عرفت نزيفاً وانتكاسة أخلاقية مدمرة يؤكد بالملموس أن جزءاً كبيراً من بين الذين يمارسون العمل السياسي الحزبي وينزلون الى ساحة العمل السياسي عن طريق الانشقاقات والانقسامات الحزبية وتشكيل أحزاب جديدة صغيرة وضعيفة لا تختلف عن سابقاتها في شيء بعضها مدجج بالمال السياسي ومعزز من جهات لا تريد الخير للشعب الكردي ولا مصلحته بالإضافة الى بعض الولاءات المؤقتة الساذجة لبعض الأنصار مستغلين غياب أحزاب جماهيرية قوية وغياب التوافق على مرجعية أو هيئة تمثيلية سياسية كردية جامعة (ونحن هنا لسنا بصدد أن نتهم شخصاً بذاته أو حزباً بعينه وإنما بنينا الرأي على الاستنتاج والاستقراء بناء على ما حدث ويحدث من إحباطات وانكسارات وانقسامات وتشتت واتهامات وتخوين ).
كل ذلك يحدث بالرغم من المتغيرات الكثيرة التي حصلت في المنطقة والعالم من صراعات سياسية وأمنية واقتصادية وجغرافية إقليمية ودولية ومن زوال لدول وتشكيل لدول جديدة في العقود القليلة الماضية من جهة ومن توحيد للجهود والقوى والإمكانيات والقدرات والرؤى لدول وأحزاب سياسية في العالم لم تأخذها الأحزاب الكردية في إقليم كوردستان سوريا في الاعتبار إما عن ضعف وعجز، أو ربما تشبث واع بمصالح وامتيازات شخصية وربما حزبية ضيقة لا يريد أصحابها التنازل عنها وحتى عن جزء منها ولو كان الطوفان كما يقال. وما يحزُّ في النفس أنه مازال ينظر الى الحزب كردياً من قبل الكثير من الذين يمتلكون القرار السياسي في أحزابهم على أنه القرب بعينه من مراكز ومناصب اعتقاداً منهم بأن ذلك سيعلو من شأنهم ومكانتهم وخدمة مصالحهم الخاصة كما يحلو لهم بدلاً من أن يكونوا خدماً للشعب والوطن والقضية متناسين بأن العمل السياسي بشكل عام وعمل السياسي الفرد من خلال الحزب والمسؤولية الحزبية هو تكليف ومهمة أو وظيفة وأداة لنيل وانتزاع الحقوق وليس امتيازاً وتشريفاً شخصياً بل مسؤولية بكل معنى الكلمة وتتطلب خصائص نضالية للقيام بها. والشيء المخجل في هذا الجوع الحزبي أو التحزبي أو المناصبي إن صح التعبير وهذا الشذوذ السياسي هو أن يؤدي ويدفع هذا الحزبي أو ذاك بالحزب الى حيث الحاق الضرر بالوطن والشعب والقضية من حيث يدري أو لا يدري. لكن سرعان ما تنقلب القيادات على بعضها عندما تتضخم المصالح الذاتية فيرسم بذلك مشهداً انتهازياً خاصة عندما تنشط الهجرة الحزبية غير الشرعية في موسم التزكيات السرية والعلنية لينضم هذا القيادي أو ذاك أو هذه المجموعة أو تلك بدون حياء الى حزب أو محور جديد كان يناصبه العداء بالأمس وتنتفخ أوداجه أو أوداجهم قدحاً فيه فعند المصلحة الشخصية والحزبية الضيقة تسيل اللعاب وتنتفي القناعات والمبادئ وتسقط القيم فالبقاء لما يقوي الموقع ويجلب المال ويعزز الامتيازات الخاصة. والعجيب في الأمر أن كل هذه الممارسات تحدث في زمن الحديث عن أحزاب مؤسساتية والانتقال الديمقراطي عبر الحوار والتفاهم والاعتراف بالآخر وبالرأي الآخر والبحث عن برنامج سياسي عصري وحضاري مشترك وموحد يجمع عليه الحركة السياسية الكردية بكل أحزابها وتنظيماتها الثقافية والمجتمعية المختلفة في زمن البحث عن كيفية العمل لإيجاد أوسع اطار سياسي ممكن لجمع القوى المؤثرة في الساحة السياسية الكردية في سوريا من خلال تجديد النخب الحزبية القادرة على القيام بمثل هذه المهام الوطنية المصيرية الذي يكون الشعب الكردي بأمس الحاجة إليه في هذه الأوقات الحساسة والخطيرة ، وفي زمن الشفافية والتأكيد على تخليق الحياة العامة السليمة ، ونتيجة لهذه التناقضات و إخفاقات الحركة السياسية الكردية في سوريا ) الأحزاب الكردية ( لفشلها وعدم بلوغها الى تحقيق الأهداف التي وضعتها بإرادتها بسبب انقساماتها وإنحرافها عن مساراتها الحقيقية لأسباب وعوامل عديدة ذاتية وموضوعية التي باتت معروفة لكل متابع للشأن السياسي الكردي العام، وهذا ما يجعل المراقب يجزم بوجود أحزاب منفصلة عن هموم الشعب الكردي الحقيقية ومصلحته وقضيته العادلة في سوريا حتى لو رفعت ألف شعار وشعار ، ولمعت خطاباتها وزوقت لغتها، لأن تصورها للعملية السياسية لا يعدو أن يكون فصلاً من فصول السمسرة السياسية وهذا ما دفع ويدفع شرائح واسعة من أبناء شعبنا خاصة الشباب والنخب الثقافية والأكاديمية ومئات الكوادر الجامعية الى هجرة السياسة والدخول مبكراً في سن اليأس السياسي، والطعن في وعود وتصريحات القيادات الحزبية ومصداقيتها، لأن ما يقنع بالانخراط في السياسة وممارسة الحق
الوطني والديمقراطي هو مصداقية ونزاهة وحسن سلوك الفاعل السياسي، الذي يجب أن يكون بوصلة في الطريق الصعب الى نيل الشعب الكردي حقوقه القومية المشروعة في سورية ، ومنارة مضيئة في ليل الإجهاز على مصداقية ونقاء العمل السياسي. من حقنا وحقّ الجميع أن يتساءل: متى ستتجاوز الأحزاب حالة الضعف والتشتت والانقسام التي حرمتها من ممارسة حالة طبيعية من التفكير والتحليل والتقويم ...
للخروج من الغرف المظلمة الباردة الى فضاء العمل الواسع والساحات الساخنة، وترجمة ما يتم التوصل إليه على أرض الواقع بالأفعال وليس بالأقوال، وبالسرعة الممكنة لأن الأحداث تتسارع والزمن لا ينتظر أحداً، واستمرار الفشل سيكون مكلفاً وباهظاً جداً، وسينعكس على الجميع، وسيظل الشعب الكردي هو الخاسر الأكبر. لذلك نحذر فعلاً بأن هناك خطر كبير وتراجع سياسي واضح من الهروب من الاستحقاقات السياسية المستقبلية، وأن الشعب الكردي لن يقبل ولا ينبغي أن يقبل استمرار الفشل وحالة التآكل والانقسام والتراجع والهروب من المسؤولية، لأن الشعب والوطن والقضية الكردية ستدفع الثمن باهظاً.