وانشقّ العالم
جان كورد
منذ أكثر من شهر، ٍ والعالم كاد قبل ذلك ينجرف إلى حربٍ كبيرة في أوروبا بسبب الغزو الروسي على جارتها أوكرانيا، والحرب في غزة قد شقت بلدان العالم شاقولياً إلى فئتين حتى في تسميتها، فإن فئة من البشر تطلق عليها صفة "الحرب على الإرهاب"، في حين تسميها الفئة الأخرى ب"الحرب على غزة" وما عاد هناك اتفاق بين الطرفين على التسمية، لدرجة أن هذه الحرب التي أراقت حتى الآن دماء الألوف من المدنيين تذكّرنا بمقولة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج دبليو بوش "من ليس معنا فهو ضدنا"، ولكن رغم هذا فإن في هذا العالم من يتظاهر ضد هؤلاء وضد من يتهمونه بأن سياساته وتصرفاته هي السبب في كل هذه المأساة التي لا نعلم إلى أين ستقود الشرق الأوسط برمته.
كانت القضية الكوردية رغم كل المذابح والاضطهاد غائبة عن الوعي الإنساني العالمي لأسبابٍ عديدة في مقدمتها مصادر الطاقة في كوردستان، حتى قال الأب الروحي للثورة الكوردية يوماً لصحافي جاء من غرب العالم لمقابلته إن براميل النفط تسبح على بحرٍ من دم الكورد. أما القضية الفلسطينية والقضية اليهودية فتختلفان تماماً فما إن يسقط إنسان أو يؤسر أو يختفي فإن وسائل الإعلام المختلفة في شتى أنحاء أمريكا وأوربا تبدأ في الحديث عن ذلك "الحدث الكبير"، فلقد نقل صدام حسين "الزعيم الأحب لدى غالبية العرب" عشرات الألوف من المدنيين الكورد إلى الصحارى ودفنهم أحياءً فلا نجد لتلك الجرائم التي حدثت أثناء ما يسمى ب"حرب الأنفال" القذرة صدى لها في الإعلام العالمي، في حين أن اختطاف عدة مئات من المدنيين وجعلهم رهائن، سواءً من قبل الفلسطينيين أو من قبل الإسرائيليين، بهدف المساومة عليهم لتحرير السجناء والمختطفين، يلقى اهتماماً عالمياً ينعكس على تصرفات كل الدول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة، ويتنافس الإعلاميون والباحثون والعسكريون والمثقفون في حلبات الاتهام المتبادل في الصحافة والتلفزيونات ووسائل التواصل الاجتماعي... فهل الكورد حقاً ليسوا من البشر كما تزعم طائفة من معممي الشيعة حتى اليوم؟
المعسكر الداعم لإسرائيل كبير رغم وجود معارضةٍ في صفوفه، حتى داخل إسرائيل، بسبب ما تسببه الحرب من دمار وما تزهقه من أرواح، والمعسكر الداعم أو المؤيد لفلسطين كبير أيضاً، إلا أن الانشقاق فيه صغير، والسبب في ذلك أن الجماهير العربية ومن حولها جماهير البلدان المسلمة عامةٌ تؤيد وتدعم الفلسطينيين لدوافع دينية تتعلّق بأهمية مكانة أورشليم / في قلوب المسلمين، على الرغم من أن الحرب الحالية تجري على بعد مئات الكيلومترات من العاصمة التي يتنازع عليها كل من المسلمين واليهود.
كشفت هذه الحرب الأقنعة عن وجوه الكثيرين من تجار الأديان والقوميات والمبادئ والسياسات والجبهات، فأين هي إيران التي كانت تهدّد بالانخراط في الحرب على إسرائيل، رغم مرور شهرٍ كامل على بدئها؟ وأين صياصيها في اليمن والعراق ولبنان وسوريا؟ وأين هم الأتراك الذين لا همّ ولا مشكلة لهم سوى "الحرب على الكورد" لدرجة المحاولة الدائمة لصهر هذا الشعب برمته ومنعه حتى عن التكلّم بلغته الأم؟ ويبدو أن تهديدات الرئيس التركي بأنه سيدخل الحرب ضد إسرائيل التي له معها أكثر من 12 مليار دولار من التعامل التجاري وبلاده مفتوحة اقتصادياً وسياحياً وتدريباتٍ عسكرية جوية وتركيا هي أوّل دولة مسلمة اعترفت بإسرائيل وبأن القدس هي عاصمة لإسرائيل؟ والأغبياء يصدّقون أن تركيا ستحارب يوماً من الأيام ضد إسرائيل.
منذ السابع من أوكتوير، حيث قام تنظيم حماس الفلسطيني بهجومٍ مفاجئ أضرّ بفلسطين أكثر مما أضر بإسرائيل واعتبره الكثيرون في العالم من المهتمين بالسياسة والحروب إرهاباً وغدراً، ضد الشعب اليهودي والدولة الإسرائيلية التي كادت تحقق نجاحاً كبيراً في تطبيع العلاقات مع الدول العربية، فجاء هذا الهجوم والعالم قد انشق شاقولياً بين جبهتين بسببه، بل شق منظمة الأمم المتحدة وسائر المنظمات التابعة لها، فإن بعض البلدان الأعضاء فيها قد طالبوا باستقالة رئيسها، حتى أن الفلسطينيين ومن ورائهم كل العرب في انشقاق خطير، والإسرائيليون ومن خلفهم كل حلفائهم في مشارق الأرض ومغاربها قد شعروا بالصدمة لما حدث في ذلك اليوم، حيث لم ينتهِ العالم من الحرب الروسية المدمرة على أكرانيا بعد. وكان رد فعل الأمريكان سريعاً على كافة الجبهات، مما قد يؤدي الحدث الجليل إلى اتساع رقعة القتال على أطراف إسرائيل وتتوسع المعارك إلى حربٍ دموية عالمية أو إقليمية واسعة النطاق، يتم تسعيرها رويداً رويداً بدءاً من سوريا وغزة ولبنان إلى العراق ولربما إلى داخل دولة إيران وكذلك مصر وفي اليمن التي لم تتوقف فيها الحرب منذ سنين.
في تلك الحال لن تبقى كوردستاننا بمنأى عن الدمار والإرهاب والعدوان جواً وبراً وبكثافة لأن كوردستان تملك الكثير من الثروات التي يطمع جيرانها في الحصول عليها، مثلما كان الأمر في السابق، وتدمّرت كوردستان لعقودٍ من الزمن بسبب بترولها وخيراتها الأخرى.
لذا من الحكمة بعد هذا الانشقاق الفظيع في العالم بسبب ما تفرزه حرب فلسطين وإسرائيل من أخطار ونتائج قد تحدث تغييرات واسعة في خريطة الشرق الأوسط أن يكون الحراك السياسي-الثقافي في سياساته وبرامجه القادمة على مستوى الأحداث التي نتوقّع حدوثها فريباً في المنطقة. وهذا يتطلب مراجعةً جادة لمجمل تفكيرنا ونشاطنا السياسي، إذ لم تعد كوردستان مجرّد بئر للبترول فحسب.