الأدب وتغيير المجتمعات

الأدب وتغيير المجتمعات

هوشنك أوسي

في ندوة "دور الرواية في تشكل المجتمع"، في 5 نوفمبر 2023، بمعرض الشارقة، وشارك فيها كل من الروائيات؛ الكويتية بثينة العيسى، والإماراتية فتحية النمر، والبريطانية إليزابيث أس مور، والروائي السوداني طارق الطيب.
أثناء الندوة، طرح الشاعر والروائي اللبناني عبده وازن سؤالا مفاجئا، تناول فيه الرواية العربية والتغيير، وأشار نماذج من الرواية الأوربية التي غيرت أفكار، وخلقت تصورات وتيارات في الكتابة. وطالب وازن بذكر عنوان رواية عربية واحدة غيرت في الواقع العربي. وأتى على ذكر مثال أن هناك الكثير من الروايات التي تناولت وانتقدت جرائم الشرف في العالم العربي، إلا أن تلك الجرائم؛ هي هي، لم تتغير أو لم تنته. جاء كلامه في معرض التعقيب على كلام بثينة العيسى.
اعتقد ان سؤال وزان، لم يأت على هوى الكثيرين والكثيرات.
خلاصة رأيي، هي محاولة إيجاد منطقة وسطى بين وازن والذين وقفوا/ن على الضفة المناهضة لرأيه.
في تقديري، ان الرواية وتغيير المجتمع، سؤال قديم، طفى على سطح السجالات الثقافية والنقدية، بعد الحرب العالمية الثانية وبدء الحرب الباردة، حين طرحت الواقعية الاشتراكية نفسها بديلا عن الأدب (البرجوازي) أو الفوضوي - العبثي، أو الدادائي..الخ، واعتبره مناهضا لحركة تطور المجتمع. في ما بعد، تطورت الفكرة إلى مفهوم الأدب الملتزم أو الفن في مواجهة "الفن للفن".
بمعنى، تجاوز الأدب والفن تلك الأسئلة التقليدية التي تنتمي إلى تلك الحقبة.
اعتقد انه يفترض ألا يشغل الأدب؛ (رواية وشعر)، نفسه، بهاجس التغيير، بل أن يجتهد نحو أن يكون أدبا خالصا، وليس أدباً مخلصاً، أو أدب خلاص المجتمعات. أدب يجدد نفسه وأدواته وأفكاره وأسئلته. ذلك ان هناك مئات الأعمال الروائية التي ظهرت في الغرب، منذ الحرب العالمية وحتى اللحظة، مناهضة للجريمة والعنصرية في الغرب، لكنها فشلت في اقتلاع الجريمة والعنصرية من تلك المجتمعات.
نعم، الروايات التي أتى عبده وازن على ذكرها، غيرت أفراداً، وغيرت طرائق في الكتابة والتحليل النقدي، ولم تغير في المجتمعات.
وعليه، يمكن هنا طرح التساؤل التالي؛ مجمل المنجز الإبداعي لعبد الرحمن منيف وإسماعيل فهد إسماعيل، وليلى العثمان، وبثينة العيسى....، ماذا غير في المجتمعات العربية الخليجية؟
مجمل المنجز الروائي لنجيب محفوظ، ماذا غيّر في المجتمع المصري؟ هل جعله يكتشف نفسه؟ ثم يغير نفسه؟ وفي حال عدم ظهور أدب محفوظ، هل كان المجتمع المصري سيبقى يجهل نفسه، ولن يتغير؟ في تقديري؛ لا. المجتمع يتغير تحت تأثير مفاعيل أخرى، ليس أبرزها الأدب. أتحدث هنا عن مجتمعات، دول، نظم وقوانين، عادات وتقاليد...الخ، ولا أتحدث عن أفراد. وعليه؛ الرواية والشعر، والأدب عموما، يغير أفرادا؛ سواء أكانوا من النخبة ام من العوام. لكن المجتمعات، طرائق التفكير والسلوك فيها محكومة بعوامل ضغط وضبط ودفع أخرى، لا يتسمع المقام لذكرها.
مقصدي ورأيي الذي أردت قوله في الندوة، ولم يسعفني الوقت لذكره: أذا بقي الأدب يرهق نفسه بهاجس تغيير المجتمعات، فلن ينجح، وسيرواح مكانه، ويصاب بعدوى الثبوت والتكرار والمراوحة وعدم التغيير.
على الأديب/ة التفكير والسعي نحو تغيير خطابه، أسئلته، أفكاره، رؤيته لنفسه وللعالم ولأسئلة العصر، أكثر من التفكير والسعي نحو تغيير المجتمعات والعالم.
هوس وهاجس تغيير العالم في الادب؛ سينتج قلة أدب، بالمعنى الفني، وليس الأخلاقي - الاجتماعي.