الحروب العبثية

الحروب العبثية

محمد رجب رشيد

الحرب! وما أدراكم ما الحرب؟ تتنوّع الحروب بحسب أهدافها وأطرافها والإمكانيات المخصّصة أو المتاحة لها، هناك حروب عسكرية، حروب عصابات، حروب دينية، حروب نفسية، حروب اقتصادية، …إلخ. العامل المشترك بين تلك الحروب هو باطنها السياسة والمصالح، وظاهرها شيء آخر مختلف تمامًا كمحاربة الإرهاب، حماية الأمن القومي، الانتداب، تأهيل الشعوب المتخلِّفة، نشر الديموقراطية أو الأفكار الدينية أو أيدولوجية معيّنة، …. إلخ. إذًا كان الأمر كذلك كيف نفهم الحرب؟
الحرب باختصار شديد هي صِراع مسلّح لتحقيق أهداف سياسية، المنتصر فيها هو الذي يحقِّق أهدافه بِغضِّ النظر عن كونها نبيلة أو خبيثة، وبغضِّ النظر عن خسائره، ولن يكون منتصرًا مهما بلغت خسائر الطرف الآخر ما لم يُحقِّق أهدافه. بِخِلاف ذلك نكون أمام حرب عبثيّة محسومة النتائج قبل بدئها.
الحرب العبثيّة هي حرب بالوكالة تدقُّ طبولَها أيدٍ خفيّة، لا تقيم وزنًا للضحايا مهما بلغت، تقدح فتيلها طُغاة لبناء مجد شخصي لأنفسهم على جماجم الشعوب، وقودها مقاتلون لا ناقة لهم فيها ولا جمل، تُدار من قِبل الآخرين لتحقيق أطماع سياسية معيّنة دون المشاركة في القِتال، يخوضها قطيع بشري يقدِّس الموت ويقزِّم الحياة، شعاره (الدنيا جنّة الكافر والآخرة جنّة المؤمن)، يفعل ما يُؤمر به دون أنْ يسأل نفسه من أجل ماذا أُحارب؟ ولماذا أُدمِّر وأقْتُل أو أُقْتَل من أجل مشاريع الآخرين؟
من الخطأ، بل من الظُلم إضفاء صِفة القدسيّة على الحروب دون معرفة أسبابها ودوافعها ونتائجها. ليس هناك حرب مقدّسة بالمطلق، قدسيّة الحرب تكمُن في تحرير الأرض والدفاع عن النفس والديار، واسترجاع الحقوق، ولكن الحروب بشكل عام مطّاطة لا حدود لها، من السهل إعلانها، ومن الصعب جدًا إنهاؤها متى شاء أحد طرفِيها، ومع استمرارها لا بُدَّ أن تسقط عنها صِفة القدسيّة.
لقد شهِدت منطقة الشرق الأوسط عِدّة حروب عبثية خلال العقود الماضية، بدءًا من الحرب العراقية الإيرانية والتي امتدت لثماني سنوات، حصدت خلالها ملايين الأرواح، ثمّ انتهت بالعودة إلى نقطة البداية دون انتصار طرف على آخر، تلتها مغامرة صدام حسين بِاحتلال دولة الكويت كنتيجة من نتائج حربه السابقة ضد إيران، وذلك بعد قطع المساعدات المالية التي كانت تأتيه من دول الخليج، باعتباره كان يدافع عن البوابة الشرقية للوطن العربي حسب ادّعائه، ثمّ كانت حرب تحرير الكويت وتدمير الجيش العراقي من قبل التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأميركية. للعِلم لم يكن يتواجد أي جندي أمريكي في المنطقة قبل مغامرة احتلال الكويت.
رغم عدالة ثورات الربيع العربي، إلّا أنّها انحرفت عن مسارها نتيجة استعمال القوة المُفرِطة من قِبل الأنظمة الحاكِمة لإخمادها، وتجاهلها من قِبل المجتمع الدولي، الأمر الذي شجّع الحركات الدينية المتطرفة والتنظيمات الإرهابية على تسيُّد المشهد، وجَرّ الثورات إلى حروب أهلية عبثيّة أتت على الأخضر واليابس، تلك الحروب كانت ومازالت تُدار من قبل دول إقليمية تمهيدًا لاستعادة أمجادها السابقة على حساب شعوب المنطقة.
إنّ الصِراع المسلّح منذ أربعة عقود بين مقاتلي حزب العمال الكردستاني والدولة التركية لا يخرج عن دائرة الحروب العبثيّة، فقد حصدت عشرات آلاف الأرواح من الطرفين دون أن تتمكّن تركيا من القضاء النهائي على المقاتلين، ودون تحقيق أي مكسب سياسي للشعب الكُردي، بل على العكس تراجع زخم القضية الكُردية بشكل ملحوظ. أمّا الحرب الطاحِنة الدائرة حاليًا بين روسيا وأوكرانيا فلا يمكن وصفها بغير العبثيّة خاصةً وأنّ البادئ بها كان يتوقع نصرًا سريعًا خلال أيام وأشهر، إلّا أنّ الوقائع على الأرض أثبتت غير ذلك، ها قد مضى عليها سنتان تقريبًا ولم تُحسم بعد. من خلال ما سبق يبرز إلى السطح تساؤل مهم: ما هو دور الشعوب في الحروب؟
يتباين دور الشعوب بحسب الأنظمة الحاكِمة لدولِها، هناك شعوب حيّة لها وزن ورأي عام فعّال ضاغِط على النُخب ومراكز صنع القرار لإعلان الحرب أو منعِها، فضلًا عن امتلاك القدرة على محاسبة الحكومات وإسقاطها بِسحب الثقة منها في حال فشلها أو تقصيرها في الدفاع عن الوطن. بينما في الدول ذات الأنظمة الشمولية نجد جماهيرَ غفيرةً كالقطيع لا رأي ولا وزن لها، تكون حاضرةً عند اللزوم كظاهِرة صوتية للخروج في مسيرات مؤيّدة للطُغاة، ومتجاهلة لجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية بحق شعوب المنطقة، ألا يعني هذا أنّ الفرق بين الرأي العام والجماهير هو تمامًا كالفرق بين الحروب المقدّسة والحروب العبثيّة؟
لا أعتقد أنّ مغامرة حركة حماس الحالية بإعلان الحرب العبثيّة على إسرائيل كانت لتحقيق أهداف سياسية معيّنة للشعب الفلسطيني، خاصة وأنّها خارج السلطة الفلسطينية المعترف بها دوليًا، من المؤكّد أنّها إيعاز إيراني، لاستمرار تواجدها في المنطقة. مَثلُ حركة حماس هنا كَمثل حزب الله اللبناني الذي أعلن الحرب على إسرائيل سنة ٢٠٠٦م دون عِلم الدولة اللبنانية، تلك الحرب التي ألحقت دمارًا هائلًا بالبنية التحتية اللبنانية، وخلّفت ضحايا لم تُعلن عن عددها إلى الآن. في نهاية الحرب قال حسن نصر الله: (لو كنت أعرف أنّ الحرب ستكون بهذا الثمن لما بدأتها).
ماذا ستقول قيادات حركة حماس للشعب الفلسطيني بعد انتهاء الحرب الحالية؟ وهل كانت تستحق هذا الثمن؟