أيلول الثورة .... أيلول الاستفتاء

 أيلول الثورة .... أيلول الاستفتاء

زهرة أحمد

" لن ننحني "
في الذكرى الثالثة لإجراء الاستفتاء، يحضرني ما قاله الرئيس مسعود بارزاني: كلمتان تحملان بين حروفهما معجماً للتاريخ النضالي " الثوري والسياسي " للشعب الكوردي، وشيفرة لن يفك أسرارها إلا بحروف من الحرية.
التاريخ الزاخر بالثورات والانتفاضات تلك التي شكلت دعائم متينة للبناء عليه مستقبلاً، وخارطة طريق للنضال على كافة الأصعدة من أجل تقرير مصيرهم كشعب أصيل يعيش على أرضه التاريخية.
حمل أيلول عبر التاريخ ما يؤرخ لمرحلة جديدة، لمراحل جديدة، انبثقت عنها وثائق واتفاقيات مصيرية للشعب الكوردي، شكلت أساساً متيناً راسخاً لمراحل مقبلة، ثورة أيلول وما حققته من إنجاز كبير في اتفاقية تاريخية عرفت باتفاقية ١١ آذار للحكم الذاتي، واستفتاء كوردستان في ٢٥ ايلول وما أنجزته من وثيقة الاستفتاء.
إنه التلازم بين النضالين الثوري والسياسي حسب الظروف المرحلية ومعطيات الواقع والتي تدلُّ على حكمة قادتها وإيمانهم العميق بالمصالح العليا للشعب الكوردي.
ثورة أيلول: "أعظم ثورة للشعب الكوردي عبر معاناته التاريخية الطويلة، هي بحق أم الثورات لأنها رسمت للشعب الكوردي مساراً تاريخياً جديدا". هكذا وصفها الرئيس مسعود بارزاني".
ثورة أيلول: ثورة كوردستانية حضنت كافة فئات وشرائح المجتمع الكوردستاني من مختلف القوميات والأديان ومن عموم مناطق كوردستان.
لا حدود لإرادة الحرية، كانت عنواناً راسخاً لثورة أيلول تخطت كل تلك الاتفاقيات الجيوسياسية، وأثبتت للعالم بأن إرادة الحرية للشعب الكوردي لا تكسرها الحدود المرسومة ولا كل المؤامرات، فكانت ثورة كوردستان.
اندلعت الثورة بقيادة القائد الخالد مصطفى البارزاني في الحادي عشر من أيلول عام 1961 واستمرت أربعة عشر عاماً "1961-1975". حقق فيها البيشمركة الأبطال بقيادة القائد مصطفى البارزاني ملاحم بطولية، انتصارات عظيمة، رسمت تاريخاً جديداً ونقلة نوعية من المستوى الداخلي الإقليمي إلى الدولي.
فاضطرت الحكومة العراقية لإجراء المفاوضات التي أنجمت عنها اتفاقية 11 آذار عام 1970، الموقعة بين قيادة الثورة الكوردية والحكومة العراقية، التي أقرت بالحكم الذاتي لكوردستان – العراق، لتكون وثيقة تاريخية سياسية قانونية، وأول اعتراف رسمي بكيان سياسي للشعب الكوردي. وأهم مكسب للنضال التحرري للشعب الكوردستاني لتكون أساساً للمكاسب التي جاءت فيما بعد.
مؤكّدة على التلازم بين النضالين الثوري والسياسي لثورة أيلول المجيدة، ليدرك العالم أنه لا يمكن حل السلام في الشرق الأوسط دون احترام حق تقرير المصير للشعب الكوردي، فكانت ثورة شاملة للشعب الكوردستاني.
الاستفتاء: "لكل الشعوب الحق في أن تقرر، دون تدخُّل أجنبي، مركزها السياسي، وأن تسعى لتأمين نموها الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، وعلى كل دولة واجب احترام هذا الحق وفق نصوص ميثاق الأمم المتحدة”.
قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 2625 الصادر في 24 تشرين الثاني\نوفمبر 1970.
يعد حق تقرير المصير أحد المبادئ الأساسية التي يستند إليها التنظيم الدولي المعاصر، كما أصبح من الحقوق الأساسية للشعوب، والشرط الأساسي الأول لكافة الحقوق الإنسانية الأخرى.
استنادا إلى ميثاق الأمم المتحدة وقرارات جمعيتها العامة والمواثيق والاتفاقيات الدولية العديدة التي تبنتها، وانطلاقاً من الدستور العراق الاتحادي في مقدمته وبعض مواده، ومن مقومات الدولة الحديثة في القانون الدولي، يحق للشعب الكوردي أن يقرر مصيره بنفسه، فكان الاستفتاء.
بالإضافة إلى توافر مقدمات كثيرة مهدت الطريق للبحث عن حلول أخرى منها السياسية المؤنفلة التي اتبعتها الحكومات العراقية تجاه إقليم كوردستان الفيدرالي، والتي كانت امتداداً لحملات الأنفال السيئة الصيت، وعمليات الابادة الجماعية ضد شعب توافرت فيه مقومات الحياة الحرة الكريمة.
لم تلتزم الحكومات العراقية بالدستور وخاصة المادة ١٤٠ كما انتهكت مبدأ الشراكة وخرقت الاتفاقات والتوافقات كافة وسيست كل شيء لمصلحته، فكان لابد من البحث عن حلول أخرى.
فكان الاستفتاء في 2017/9/25.
في يوم تاريخي وفي أجواء حرّة، وخلال عملية ديمقراطية، توجّه مواطنو إقليم كوردستان والمناطق الكوردستانية خارج إدارة الإقليم وبصورة سلمية نحو صناديق الاقتراع، فكان التصويت على السؤال التالي: هل توافق على استقلال إقليم كوردستان والمناطق الكوردستانية خارج إدارة الإقليم وإنشاء دولة مستقلة؟ ليقول الشعب الكوردي كلمته التاريخية "بلى". بقيادة البيشمركه مسعود بارزاني، قرر الشعب الكوردي مصيره بنفسه. وكانت نتيجة التصويت بنعم " بلى " 92,73% لصالح الاستقلال، صادقت الهيئة القضائية للانتخابات والاستفتاء على نتائج عملية استفتاء استقلال إقليم كوردستان والمناطق الكوردستانية خارج إدارة اقليم كوردستان، فكانت وثيقة الاستقلال.
وثيقة الاستقلال: الوثيقة القانونية والسياسية للشعب الكوردي، التي حققت ب نعم " بلى " أكبر إنجاز تاريخي، وقد أكدت على حرية الشعب الكوردي في تقرير مصيره بنفسه.
ما تم تحقيقه بـ نعم ” بلى” في الاستفتاء كان مكملاً سياسياً وقانونياً لما حققته البيشمركة الأبطال بقيادة الأب الخالد ملا مصطفى البارزاني والبيشمركه مسعود بارزاني عسكرياً.
٢٥ أيلول امتداد لـ ١١ ايلول وسيمتد إلى أيلول آخر وآخر وتواريخ أخرى ومكاسب أكبر تحفر خلودها، إنها ثمرة دماء الشهداء وبطولات البيشمركه والقيادة الحكيمة والإرادة الشامخة لشعب أراد أن يعيش بكرامته الإنسانية.
الآن، الحكومة العراقية كما عهدها دائماً تتنصل من اتفاقياتها مع إقليم كوردستان، وما حدث في كركوك مؤخراً وقضية مقرات الحزب الديمقراطي الكوردستاني في كركوك، وما رافقتها من أحداث دامية دليل على عدم التزام الحكومة الاتحادية بالاتفاقيات الثنائية بينها وبين اقليم كوردستان.
كما أن التنصل من تنفيذ بنود قانون الموازنة الخاصة بمستحقات إقليم كوردستان، ومحاولة استغلال رواتب موظفي كوردستان واستخدامها كورقة ضغط ضد الإقليم للتغطية على القضايا السياسية والنقاط الخلافية العالقة بين اقليم كوردستان والعراق الاتحادي.
كما تنتهك مواد الدستور المتعلقة بالإقليم، المادة ١٤٠ من الدستور العراق الاتحادي، وتسييس قرارات المحكمة الاتحادية وتفسير القوانين وفق توجهاتها، كما التنصل من الاتفاقيات وعدم الالتزام بها، وكلها أنفلة من نوع آخر، الأنفال مستمرة وبمختلف أشكالها.
ما أشبه اليوم بالأمس! إنها استمرارية عقلية الاستبداد والتنصل من الاتفاقيات، ومحاولات جرّ إقليم كوردستان للفوضى العارمة في العراق وحالة اللااستقرار السياسي المستمرة ومحاولات وضع العراقيل في التقدم الهائل لإقليم كوردستان على كافة الأصعدة. إنها استمرارية لتلك الظروف التي تم فيها إجراء الاستفتاء، فالشراكة لم تعد ممكنة.
الآن وفي الذكرى السنوية السادسة للاستفتاء تتجه الظروف وتمهد الوقائع لتفعيل نتائج الاستفتاء. قالها الرئيس مسعود بارزاني: لن ننحني