الجِهاد بين التكليف والحرية

الجِهاد بين التكليف والحرية

محمد رجب رشيد

الجِهاد من أكثر المفاهيم إثارةً للجدل في الأوساط الإسلامية، خاصة بعد ظهور الحركات الدينية في بدايات القرن الماضي والتنظيمات الجهادية المسلّحة في النصف الثاني منه. لقد خضع الجِهاد لتأثيرات عميقة عبر التاريخ، حمل على عاتقه تاريخ الصراع السياسي والفكري في العالم الإسلامي، وشغل تأثيره مدىً واسعاً بدءًا من دوره في تشكيل صورة المسلمين لدى العالم الخارجي وانتهاءًا بعلاقاتهم مع بعضهم البعض ومع الآخرين من غير المسلمين.
الجِهاد الحقّ ليس غاية بحدِّ ذاته، بل وسيلة لتحقيق أهداف معيّنة، ليس من بينها إرغام الناس على الدخول في دين الإسلام (أدْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ)ص، ما يؤكِّد ذلك وجود مسلمين في شرق آسيا (الصين، الهند، ماليزيا، سنغافورة، …إلخ) رغم عدم وصول جيوش المسلمين إلى تلك البِقاع، بينما لا نجد حاليًا مسلمين في أسبانيا رغم بقائها تحت إحتلال الدولة الأموية المسلِمة لثمانية قرون، هنا يكمن الفارِق بين الإيمان عن قناعة دون إكراه والإيمان بالإكراه دون قناعة (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ)ص.
مفهوم الجِهاد طيّع جدًا يحتمِل العديد من المعاني الإيجابية والسلبية، وقد شهِد انحرافًا كبيرًا في قضية القِتال بزعم الدفاع عن الإسلام، فالكثير من المسلمين فهِم الجِهاد -خِلافًا لِكتاب الله- على أنّه قِتال الكُفّار والمُشركين وإن كانوا مُسالِمين. في اللغة العربية الجِهاد هو بذل الجهد الحثيث لتحقيق هدف ما، والمجاهِد هو اسم الفاعل منه، أي الشخص الذي يجتهِد في مجال ما، ثمّ يبدِع بِما يُفيد ولا يضرّ، نذكر منهم على سبيل المثال وليس الحصر القادة المخلصين، العلماء، الأدباء، الحرفيين، نجوم الرياضة والفن ….إلخ. وكثيرًا ما يتّسِع المعنى ليشمل الجِهاد في سبيل الله، هنا يتبادر إلى الذهن تساؤُل مشروع: هل الله سبحانه وتعالى الغنيُّ عن العالمين بحاجة إلى جِهاد الناس من أجله؟ الجواب بالتأكيد لا! الجِهاد في سبيله إنّما هو الجِهاد لتكون كلمته هي العُليا، وكلمة الله العُليا هي حرية الناس أنْ يكونوا عِبادًا لله بملئ إرادتهم أو عُصاةً لله بِملئ إرادتِهم، ولِهذا كان الثواب والعِقاب في الآخِرة وليس في الدنيا.
أهمية الجِهاد في الإسلام كأهمية الجذع من شجرة متعدّدة الفروع أحدها القِتال، وأُوكِّد هنا على كلمة القِتال وليس القتل، فالجِهاد في كتاب الله لا يعني القتل بأي شكل من الأشكال، ولا يختِصر على القتال فقط، بل هناك الجِهاد بالنفس والجِهاد بالمال والجِهاد بالكلمة، سألَ رجُلٌ النبيَّ(ص): أيُّ الجهادِ أفضلُ؟ قال: (كلمةُ حقٍّ عند سلطانٍ جائرٍ). أمّا القِتال فإنّه لِردّ العدوان والدفاع عن النفس والأرض والمقدّسات ورفع الظلم وإعلاء كلمة الله. من خلال ما سبق يتّضِح الفرق بين الجِهاد والإرهاب، فالجِهاد فِعلٌ هادفٌ لغاية شريفة، بينما الإرهاب فِعلٌ عنيفٌ لفرض شريعة ما أنزل الله بها من سلطان، وقوده شبابٌ يخضعون لعملية غسيل الدماغ تمهيدًا لإقناعهم بأهمية العمليات الانتحارية كأقرب وأسهل طريق إلى الجنّة مهما كانت ذنوبهم.
الإسلام والسياسة أحدهما يُلحِق الضرر بالآخر في حال اجتمعا معًا، أسلمة السياسة يعني إفسادها، وتسييس الإسلام يعني الانحراف عن كتاب الله، والاحتكام إلى كُتب التراث الدخيلة على الإسلام، والتي لا أصل لها في الشريعة لتعارضها الصريح مع كتاب الله، إلّا أنّ الجماعات الإسلامية التكفيرية تدّعي غير ذلك، فهي تعمل جاهدةً لإقامة دولة الخِلافة، وتُردِّد مقولة مفادها: قبل الإسلام كنُّا نرعى الأغنام والإبل في البوادي، بفضل الإسلام أنشأنا دولة قوية تقود العالم وترعاه، متناسين أنّ دولة الخِلافة هلكتْ، والهالِك لا يحيا من جديد، فضلًا عن كون الإسلام شأن فردي لا علاقة له بالمجتمعات ونشأة الدول، الدول تُقام فقط عندما تتوفّر مقوِّماتها.
من المُلاحظ أنّ الأنظمة الحاكِمة في الدول الإسلامية لا تدعوا إلى الجِهاد ولا تمنعه بشرط أن يكون بعيدًا عنها، إلّا أنّ البعض منها يدعمه بشكل مباشر أو غير مباشر وذلك بِترك الساحة للتنظيمات الارهابية التي ترى في الجِهاد المُحرّف (القتل بغير الحقّ) السبيل الوحيد لإقامة دولة الوهم المزعومة استنادًا إلى فتاوي صادرة عن المؤسسات الدينية، على رأسها جامعة الأزهر التي تكفِّر المتنوِّرين وتهدر دمائهم، بينما تمتنع عن تكفير داعش رغم ارتكابها عِدّة عمليات إرهابية ضد الجيش المصري في سيناء، فضلًا عن تفجير طائرة ركّاب روسية بعد اقلاعها من مطار شرم الشيخ، الأمر الذي يعني رِضا الأزهر عن سلوك داعش وأخواتها.
فيما سبق تناولنا الجِهاد من وجهة نظر الدول والتنظيمات والحركات، فماذا عن الأفراد؟ الإنسان الفرد مُكلَّف من الله تعالى، والتكليف هو خِطاب الله إلى كافة الناس للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعمل الصالح والجِهاد الحقّ، كُلٌ حسب طاقته، والتكليف لا ينمو ولا يعيش إلّا في فضاء الحرية، وبالتالي لا بدّ أن يملك المكلَّف حرية الاختيار مع علمه المُسبق بالثواب والعِقاب في الآخرة كما ذكرنا سابقًا.
لقد أصبحت الحاجّة ماسّة لِتنقية مفهوم الجِهاد من الشوائب والتصوُّرات الخاطئة والتأويلات المغلوطة التي علِقت به عبر الزمن، وذلك بالعودة إليه كما ورد في كتاب الله. ولا بُدَّ من التسليم بِكَون العلاقة بين الناس قائمة على المودّة والمنافسة الشريفة والاختلاف كَظاهرة صحيّة في المجتمعات، ثمرتها التعارف والتعاون بين كافة الناس، أمّا التفاضل بينهم فهو على أساس التقوى فقط (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ )ص.