الأزمة في سوريا.. متى تنتهي؟

الأزمة في سوريا.. متى تنتهي؟

صالح محمود

من الطبيعي أن تكون لكل بداية نهاية، والأزمة في سوريا كغيرها من الأزمات سيأتي يوم وتنتهي، وستطوى هذه الصفحة من المآسي، وإلى الأبد، ولكن متى؟ وكيف؟
من المعروف إنّ أية ظاهرة عندما تقترب نهايتها تتوفّر مؤشّرات تدلُّ على ذلك، والقرائن الحالية تدلّ على أن الأزمة وبكلّ وجوهها قد قطعت أشواطاً ومسافات طويلة، وأنّ المشهد السوري في حراكٍ دائم وتحوُّل مستمر وغير ساكن كما يبدو للبعض، وتبعاً لمنطق الجدل والتاريخ لا توجد حركة مجانية، بل لكل حركة وظيفة ومهما كانت بسيطة فهي محسوبة، وتحدث أثراً، لذلك يعدُّ تطبيع العلاقات الجزئي مع العالم العربي أحد علامات التحوُّل في الملف السوري بصورة أولية مع إبداء بعض المرونة في الموقف الأمريكي فيما يتعلق بالحصار الاقتصادي والسياسي وقانون قيصر وطرحه مشروع خطوة مقابل خطوة عن طريق الوسطاء العرب، وهذه عودة من أمريكا إلى طريقة كيسنجر في معالجة الأمور حيث كان الأخير يقسّم المشكلة إلى أجزاء، ويتعامل مع كل جزء على حدة، وهذا أيضاً يشكل أحد العلامات على أن الوضع القائم لن يدوم إلى الأبد. وإن الحالة الراهنة ستتبدل بطريقة أو بأخرى، ولا يغيب عن بالنا إن فك بعض الانغلاقات مع تركيا بالإضافة إلى عامل التطبيع بين السعودية وإيران سيكون له منعكساته الإيجابية على المنطقة ككل.
لاشك أن فتح باب الحوار بين سوريا وبين المحيط العربي وحجم التغيرات الكمية أو العددية من اجتماعات ولقاءات وكل حالات الأخذ والرد التي حدثت وستحدث ستؤدي إلى تغيرات وتحولات كيفية ونوعية حسب قانون الجدل عند هيغل وماركس، فمجموعة حركات بسيطة على الأرض ستفضي إلى تغيرات وتحوّلات في النوع والكيف وإلى تحسينات في الوضع السوري، ولكن متى تحين الساعة؟ ومتى يتحقق هذا؟ لقد تهيأت بعض الظروف أو بعض مقدمات التغيير على الصعيد الخارجي وإن شهدت بعض التلكؤ والتباطؤ إلا إنّ الزمن لن يعود إلى الوراء، وهذه حقيقة ومع الأيام ستتفاعل هذه المتغيرات مع عوامل داخلية حاضرة ومتوفرة منذ زمن، وستساهم في طيّ هذه الصفحة المأساوية من تاريخ هذا البلد، ومن هذه العوامل توفر الإرادة القوية لدى البقية الباقية من الشعب في سوريا بالاستمرار والعيش، رغم بؤس الحالة وقتامة المشهد، وستشكّل هذه الإرادة عاملاً قوياً في حلحلة مفاصل هذه الأزمة العصية والخانقة.
ثمة من يتساءل: لماذا لا نرى علامات وإشارات ملموسة ومادية على وجود ضوء بآخر النفق وعلى اقتراب نهاية الأزمة؟ نعم هؤلاء محقّون فعلاً في ذلك، ولكن المسألة تحتاج إلى وقت، فالدمار الذي أحدثته السنوات الفائتة بحاجة الى أعوام كثيرة كي يزول، ويتلاشى، ومن المعروف إن عملية البناء والإعمار بحاجة إلى جهود أكبر من تلك العمليات التي هدّمت وخرّبت، فأنت في ظرف ثوانٍ قد تهدم مبنىً ضخماً مؤلفاً من عشرات الطوابق ولكن عملية إعادة بنائه تحتاج إلى سنوات وإلى إرادة وعزيمة قويتين، وليكن في علم الذين يتساءلون إنه رغم كل هذه المآسي التي حلت بهذا البلد مازال حجم المستغلين والمستثمرين فيه كبير جداً: أي مازال في البلد الكثير من الخير مما جعله مطمعاً للطامعين، فلقد كانت المقاطعة العربية والدولية من أسباب تردّي الوضع وخاصة الاقتصادي في سوريا ورفع هذه المقاطعة أو حتى جزء منها سيكون من أسباب الانفراج أيضاً، ولكن هذا يتوقف على توفر بعض الشروط في الداخل السوري مثل إبداء بعض المرونة من قبل النظام السوري وقبول بعض التغيرات في بنيته وهيكليته وإبراز شيء من المصداقية للمحيط العربي أو الوسط الدولي، فلا شكَّ إنّ مفاتيح الحل بعد كل هذه السنوات مازالت بيد النظام السوري، وليس كما يُروّج إنّ الروس والأمريكان والإيرانيين والأتراك هم وحدهم قادرون على وضع نهاية لهذه الأزمة، لقد كان النظام ولايزال يمثّل دور المعرقل الأكبر في العملية السياسية والعنصر الذي يضع العصي في العجلات، وبالتالي خطوة صغيرة من النظام السوري كفيلة بإحداث تغيرات هامة في المشهد السياسي، وهذه الخطوة من المؤكد إنها قادمة، وباتت قريبة. فالظروف أصبحت صعبة وقاسية حتى على النظام نفسه وسيقْدُم على بعض التنازلات مجبراً، فخطوة صغيرة مثل تهيئة مناخات وأجواء لعودة بعض المستثمرين وتوفير بيئة آمنة لهم وأجواء توحي بالثقة والأمان كفيلة بإحداث تحسّن وانقلاب كبير في الواقع السوري، وبادرة أخرى ليست صعبة تتعلق بالشباب السوري المطارد داخلياً وخارجياً وإصدار قانون جديد بشأن خدمة العلم والاحتياط سيوفر أيدي عاملة سورية تنهض بالبلد، حقيقةً هناك فئة من الشباب تسكن في المخيمات في لبنان وتركيا والأردن وتعاني الأمرّين في هذه البلاد، ولديها الرغبة الشديدة بالعودة إلى بلادها ولكن كثرة المعوقات والمضايقات تمنعهم من ذلك، وبمجرد توفر حسن نية حقيقي من طرف النظام، سيكون سبباً كافياً لعودة أعداد كبيرة من هؤلاء، وسيشكّل عاملاً في عملية البناء، وهناك بعض الخطوات الأخرى غير الصعبة كتقليص الحواجز الداخلية وإعادة كتائب الجيش إلى ثكناته، ووضع حدود وفواصل للتدخل العسكري في شؤون المدنيين وهذه الإجراءات إن تمّتْ سوف تولّد مناخاً آمناً لعودة الحياة الطبيعية إلى هذا البلد.
على الناس في هذا البلد أن يضعوا في اعتبارهم أن الأمور لن تعود كما كانت قبل ٢٠١١ وأنّ سوريا قبل ذلك التاريخ لن تعود وإنّ السنوات الصعبة التي عشناها لم تكن حلماً وفي يومٍ ما سنفيق منه!
لقد عشنا وما زلنا نعيش واقعاً مرّاً وظروفاً صعبةً لم تبقِ حجراً على حجر." سيلزمنا عمرٌ إضافيٌ لنسيان هذه السنوات التي قضيناها بزمنٍ لا يشبهنا، بغابة دخلناها طيوراً وخرجنا منها حطّابين، سيلزمنا الكثير من الصلوات والدعاء والتأمل لنسيان كل ما مررنا به" نحن شعب عاطفي حتى في السياسة وهذا سبب إخفاقنا المتكرر، فالسياسة لها منطقٌ خبيثٌ بعكس العاطفة التي هي شيء مختلف تماماً. الوضع في سوريا متّجه نحو التقسيم والتشظي أو بالأحرى تم التقسيم، وضخ الدماء ونفخ الروح في الأجزاء المقسمة يتوقّف على إرادة المهيمنين، ولكل طريقته، أمريكا في الشمال الشرقي، والوجود الأمريكي هناك هو نوع من الترف السياسي والاقتصادي ليس أكثر، فهي تسيطر على حقول البترول والغاز وهذا لا يعني حاجتها للنفط بقدر ما يهمها عامل السيطرة، أمريكا ضمن استراتيجيتها الدولية الهيمنة على منابع الطاقة في العالم فمنها تستمد القوة.
تركيا احتلّت الشمال، وهي تفكّرُ بطريقة شيطانية، وهي أخطر من أمريكا وروسيا بكثير، وضمن أجندتها إحداث تغييرات ديمغرافية خطيرة، وهي تبحث عن هوية بديلة للمنطقة، فهي مسكونة بفوبيا الكرد، والأتراك ورثة العثمانيين قد اعتادوا على قهر الشعوب وإذلالهم.
أما فيما يتعلق بالروس، فالمناطق التابعة لهم تعاني الأمرّين، وتكتوي بنار الجوع، لأن الروس كانوا ومازالوا "أبخل الحلفاء على وجه الأرض" لقد قالها السادات في السبعينيات، ولا يحملون الى العالم سوى البؤس، بوتين عندما زار سوريا قبل عدة سنوات، وقام بجولة في شوارع دمشق حسد السوريين على حالهم ومعيشتهم، برغم المآسي، فكيف له أن يفكّر في يومٍ ما أن يحسّن الأحوال هنا في هذا البلد الشقي، هذا مع حاجته الماسة إلى من ينقذه من أوحال أوكرانيا، وإلى حدٍّ ما التواجد الروسي في سوريا معقول وقابل للأخذ والردّ، فالأدوات التي يستخدمها الروس هي فصائل من الجيش السوري وعلاقتهم هي مع دوائر تابعة للدولة، لذلك ترتيب وتنظيم العلاقة معهم ممكن، وكذلك الأمر بالنسبة للإيرانيين فلم يفلحوا في تحويل البلاد إلى مجموعات طائفية دينية متحاربة رغم الإصرار اللامتناهي والمحاولات المتكرّرة لاستنساخ وضع شبيه بالوضع العراقي تماماً في سوريا، فعدم وجود ضوء أخضر أمريكي وإسرائيلي حال دون ذلك، والمشاريع الإيرانية في تراجع، ونفوذها يتراجع في سوريا، وهذا يساعد حتماً على ولادة أفق للحل والانفراج، أما بالنسبة للأتراك فالأمر كارثي، فقد اقحموا انفسهم في الملف السوري بطريقة يصعب إيجاد مخارج وحلول له، وانكشفت واهتزت صورة اردوغان ونظامه حتى عند الإخوان المسلمين في سوريا، وأصبحت تصرفات تركيا لا تطاق فيما يتعلق بالتعامل مع الملف السوري وترحيل اللاجئين القسري.
في سوريا لم يعد أحدٌ يسأل عن هوية الحاكم بقدر سؤالهم عن توفُّر ظروف للعيش البسيط والحياة الطبيعية التي تخلو من طموحات سياسية.