يكفيني في الحياة أنك أبي
لورين محمد أمين عباس
من قال عن أبي كثيراً من الكلام لم يرَ خيبات الأمل التي عاشها أبي في أيامه الأخيرة أو درجة التعب التي وصل إليها..
من قال عن أبي ما لم يفعله، لم يعيشوا معه، ولم يروا كيف كان أبي قد نسي كيف يعيش لنفسه؟ وكيف يكون الرجل الطبيعي بأيامه الطبيعية؟ ولم يروا اشتياقه لنا واشتياقنا له حين كنا صغاراً.
لم يروا التجاعيد التي رُسمت على وجهه واحدةً تلو الأخرى، لكلًّ منها حكاية وقصةُ تعبٍ ترويها عيناه لنا، ولا شيبات شعره الممزوجة بألوان نضالٍ وكفاحٍ وطُرقات قطعها لقضيته الأولى كانت والأخيرة.. لم يحمل في قلبه غلاً ولا حقداً.
كانت رسالة أبي لنا في أيامه الأخيرة.. أبنائي إنني لم أنجح في تقديمي لكم كلّ ما تتمنوه لكنني كنت وفيّاً للحد الذي نسيتُ فيه نفسي قبلكم لأُرضي قضيتي.. أقول لك ابي نجحت في تقديمك لنا مبادئ الحياة كلها.. الصدق والوفاء والإيمان بخطواتنا مهما كانت وكيفما كانت..
أنا ابنة بافي مزكين أحمل على كتفي عيني أبي وملامح وجهه التي كانت تروي تعبه دوماً لي.. رغم ذلك كان يمشي بخطواتٍ ملكيّة، بعزة نفس أبدية بنقاءٍ ونُبلٍ وشهامة..
مات أبي بموته فقدتُ رونق الوجه وقتها.. قلبي انكمش من تجاعيد الكِبر فجأة فظهرت على وجهي بسرعة البرق.. بين كل الأصوات والوجوه وزحمة الناس تلك لم أرَ سوى أخي الذي حمل في عينيه كسرة ولم يحالفه الحظ بلقاء أبي رغم المسافات التي قطعها وأختي التي كانت تطبطب على كتفي رغم أنها حملت وجع أبي في لحظاته الأخيرة بقلبها المكسور وابني الصغير الذي كان عمره أياماً فأعطاه أبي اسمه وكأنه يقول لي: ذهبتُ أنا ...هاك اسمي خذيه، لكن يا أبي من سيشبهك هنا في كل أرجاء الحياة هذه؟
ألم تعدني انك ستلاعب أولادي- أحفادك، نعم يا أبي كان ثمن نضالك كثيراً عليك، وعلينا لكنك بقيت عطوفاً معطاءً وفياً وشهماً..
حملوك على الأكتاف وهلّوا بالتراب عليك.. التراب قادرٌ على أن يخفي جسدك ولكن روحك.. وابتسامتك وعيناك من يخفيهما وماذا يخفيهما؟
أيا جرحاً لن يلتئم!! ويا غصة للعمر بقت.
أنا هنا أبي كبرت بموتك عمرين فوق عمري..في غرف الحياة كلها لا أجد جدران ثابتة فاضطر للوقوف والبقاء واقفة ..
يوماً ما إن تعبت فيكفيني إني كنت ابنةً لك ..ويكفيني في الحياة بأنك أبي .. أبي الجميل قلباً وقالباً.