رتق الحياة

رتق الحياة

شمس عنتر

«تستطيع تعليم البشر كل شيء، ما عدا الإحساس» فولتير..
فيما يشبه الغرفة حيث لن تحتاج لرفع رأسك كثيراً حتى تلتقي عيناك بعواميد غليظة وأخرى رفيعة مسودة، وكأن طفلاً مشاكساً دهنها بهباب عتيق، كان الجدار الطيني فيها محفوراً على شكل خزانة ومقسم بألواح خشبية وعليها أشياء لا تنتمي لبعضها، دلة قهوة، وبعض الكتب المهترئة ومقص وحفنة من الأزرار.
بجانب الغرفة الكثير من أطلال الغرف التي احتضنت الأرضيات أسقفها، وغرفة أخرى ما تزال تحتفظ بسقفها عاليًا تستعمل كمطبخ إلى جانب باب الحوش الواقع على شارع فرعي في أطراف القامشلي.
كانت فاتن بقامتها الطويلة وبشرتها البيضاء تجرُّ وراءها أعوامها الخمسين بساقين متورمتين بعقوبة من الكلية الوحيدة المعطوبة، تضيق تلك القزحية الزرقاء كلما تناولت شيئاً، مثلما تفعل حين تقرأ تلك الأوراق المرفقة للأدوية ذات الحروف الضبابية وكأنها كتبت برأس إبرة.
مع الضحى خرمشت تلك الأصوات المستفزة روحها. يجب طردها هذه ستوسخ سمعة الحارة وسمعة والدها المبارك، لقد خالطت كل رجال حلب.
كانت تسمعهم وقلبها يتمزق وتقلصات عضلات بطنها تزداد حاولت أن تقترب من الباب وفي نيتها أن تهجم عليهن وتجرجر شعورهن وتخمش وجوهن، لكنها خائرة القوى.
وين كنتو يا واطيات لمى باعني المبارك باسم الزواج؟
تهالكت على حجر كبير، وغرست أصابعها بالتراب وتنقّلت بها الذاكرة الخربة، شعرت أنها حبة حنطة سقطت بين حجر رحى تدور دون هوادة واستعاد أنفها رائحة ثيابها المبللة بالبول في كل صباح، وكيف كانت الأم تمطرها بالشتائم وهي تتقهقر حتى تتجنب الصفعات ثم تسمع الجملة المعتادة، اذهبي واغسلي أغطية فراشك أيتها العفنة.
أرادت أن تبكي لكن عينيها خانتها كما فعل والدها يوما حين زوّجها لذلك التاجر الحلبي المكرش، وعمرها ثلاثة عشر عامًا، واستخدمها الأخير لبناء ثروته الكبيرة. في كل ليلة كان يستقبل التجار الهاربين من زوجاتهم حيث تخدمهم خاتون والتي سماها مشتريها بفاتن وفي نهاية السهرة يبقى أحد الضيوف في غرفتها إلى ما شاء.
وفاتن لم تعرف صنعة أخرى عندما مات زوجها، التجار ظلوا مواظبين على زيارتها.
بعد سنوات وهي في رحلة علاج في دمشق ضرب الزلزال حلب، ودمّر كل البيوت في حيّها، وضاقت بها الدنيا، وكأنها عادت تلك الطفلة التي تبلل نفسها في كل ليلة، وفكرت لأيام طويلة إلى أين تتجه؟ ما من مكان سوى مربع القهر الأول حيث استأجرت شبه بيت في نفس حارة أهلها، الأبوان متوفان والإخوة متبرؤون منها.
صرخت فاتن من وراء الباب أيتها ... إن كانت سمعتي مجروحة فأنتن عقولكن مجروحة.
وابتلعت مذاق الدمع من زاوية فمها، شعرت بحريق في حلقها، تمنت أن تصب فيه قنينة أي سائل بارد كما الأيام الخوالي في حلب.
كان بعض أطفال الحي يرمونها بالحجارة وهم مارون وبعض الرجال يطرقون بابها بآخر الليل طالبين السهر معها.
ما وجدت أي شيء تتكئ عليه، وكأن العالم انزلق من بين يديها منكسراً، ففي كل محاولة لها كانت تفقد جزءاً منها حتى شعرت إنها انتهت.
وخطت ببطء نحو ذلك البئر الذي نشف ماؤه ليكون قبراً لها، رأت فيه سبيلها الوحيد للخلاص والراحة، لكنها استفاقت وهي بين أحضان أختها، استعادت خاتون وعيها، واستندت على كتف أختها، واتجهتا معًا صوب باب الحوش، وعلى قارعة رصيف الشارع ندت عنهما ضحكة مصطنعة عالية اخترقت الأفواه والتفت على الألسن، وأحرقت الآذان المتلصصة من خلف تلك الجدران المهترئة.