حرب الطرق

حرب الطرق

دوران ملكي

منذ وصول الدول إلى مرحلة الإمبريالية، والعالم في صراع سياسي وعسكري، نشأ عنها الكثير من الحروب، ومنها الحربان العالميتان، ونتيجة لذلك تضررت طرق التجارة العالمية وبدأت هذه النزاعات وحرب الطرق بسقوط القسطنطينية بيد العثمانيين في عام 1453، وسيطرتهم على أهم المضايق العالمية التي كانت تربط الشرق بالغرب. وبما أن الدولة العثمانية استحوذت على السلاح الناري والمدافع التي تعمل على البارود الأسود ولدت لدى التجار الغربيين الخوف على سلامة سفنهم، مما دفعهم إلى البحث عن طرق تجارة جديدة بالاستفادة من العلم اليوناني ونظريات كاليلو حول كروية الأرض، ونتج عنها الاكتشاف العظيم الذي اكتشفه المكتشف والبحار الإسباني الكاثوليكي المتعصب كريستوف كولومبوس في عام 1498 بعد إصراره بأنه لن يمر من بعد الآن بطريق المحمدين ( كناية عن محمد الفاتح والرسول محمد ) ونتج عن رحلته القارة الأمريكية.
التاريخ يعيد نفسه اليوم، وتبحث جميع الدول المتنافسة والمتصارعة عن أقصر الطرق الأمنة بعيداً عن سيطرة منافسيها، فالصين تعيد إحياء طريق الحرير القديم تحت اسم مشروع الحزام والطريق عبر ثلاثة مسارات: المسار الأول: يبدأ من الصين براً عبر دول أسيا الوسطى مروراً بإيران والعراق وسوريا وصولاً إلى اليونان بحراً.
المسار الثاني: يبدأ من الصين إلى باكستان براً ومن ثم بحراً حتى ميناء الفاو على الخليج ومن ثم براً من العراق وسوريا وصولاً إلى البحر المتوسط ومن ثم إلى القارة العجوز.
المسار الثالث: يبدأ من الصين إلى شمال روسيا ومن ثم الى أوربا.
يعتبر مشروع الطريق بالنسبة للصين مشروعاً حيوياً واقتصاديا لأن الطرق القديمة في المحيط الهادي كانت خاضعة للإملاءات الأمريكية في مضيق ملقة، والممرات المائية في أندونيسيا، والفلبين بسبب وجود الجيش السابع الأمريكي، ويعتبره الغرب وأمريكا حزاماً تقويضياً غايته السيطرة الاقتصادية على العالم والمنافسة على زعامته، ويستوجب مواجهته ووضع مفاصل معرقلة تقوض حركته في كثير من الدول وخاصة في باكستان والعراق وسوريا.
تقوم الصين بتقديم الإغراءات لدول الجوار التي يمرُّ منها طريق الحرير عن طريق منح قروض طويلة الأجل يتم بموجبها تقوية البنية التحتية لتلك الدول، وتستفيد أيضاً الصين عبر شركاتها المنفذة، فما يتم إنشاؤه في باكستان يعتبر بحق من عجائب الدنيا الثمانية من جسور وطرق سريعة وسكك حديدية تربط الصين بميناء كوادر الباكستانية والمؤجرة للصين لمدة 50عاماً على المحيط الهندي، ومنحت قروضاً لكلٍ من إيران والعراق تصل إلى 70 مليار دولار لإنشاء الطرق البرية وتهيئة ميناء الفاو العراقي لاستقبال 50 باخرة في الساعة.
أصبحت الصين كملاذ آمن لجميع الدول التي تملك مشاكل مع الولايات المتحدة الأمريكية والحلف الغربي، ونتج عن ذلك بعد الحرب الروسية على اوكرانيا تحالف تحت مسمى (تحالف البريكس)، والذي يتم بموجبه التداول التجاري بين دول التحالف بالعملات المحلية كأول مسمار في نعش الدولار الأمريكي والدول التي تريد الدخول في الحلف الجديد في تزايد، وخاصة بين القناصين والصيادين في الماء العكر الذين يستفيدون من الصراعات العالمية، مثل تركيا والنظام السعودي في فترة ولي العهد الميكافيلي الصاعد محمد بن سلمان.
السعودية لا تستطيع رفع راية العداء لأمريكا بالانتقال بشكلٍ واضح وصريح إلى المعسكر الصيني الروسي، ولكن بميله يريد كسب جولات وخاصة في مجال دعم أمريكا بحصولها على برنامج نووي سلمي، ودفع الكونغرس الأمريكي بعدم معارضة صفقات الأسلحة المتطورة الأمريكية للمملكة العربية السعودية.
الصين ليست الوحيدة في العالم تبحث عن الطرق، وتبحث عن تقوية البنية التحتية لحلفائها، وإنما تريد روسيا أيضاً فتح طريق يبدأ من روسيا مروراً بدول الاتحاد السوفيتي السابق مروراً بإيران، ومن ثم الخليج باتجاه إفريقيا والغاية ومنها أولاً تسهيل صادراتها إلى دول العالم الثالث وثانياً ربط هذه الدول مع عجلة الاقتصاد الروسي عبر اتفاقيات طويلة الأجل.
تعتبر جميع دول الشرقين الأدنى والأقصى فتح هذه الطرق في أراضيها كحل لمشاكلها الاقتصادية، وخاصة إيران فهي عبارة عن عقدة مواصلات مشتركة بين الطريقين الروسي والصيني وهو الآن عضو رئيسي في تحالف البريكس، وكذلك جميع دول الخليج تجهز نفسها للدخول في هذه المشاريع الحيوية.
تركيا التي كانت تعتبر نفسها منذ الأزل الوريث الشرعي لطريق الحرير تبحث الآن مع العراق إمكانية فتح ممر آمن يربط ميناء الفاو العراقي مع استانبول، أو إمكانية استخدام سكة قطار الشرق السريع الذي يربط بغداد مع مضيق البوسفور والذي تمتلكه تركيا في الأراضي السورية أيضاً بعد تعديل الحدود باستثناء مقطع صغير بحدود 100 كم بين القامشلي وتل كوجر، وهو جاهز للخدمة، وتم الإفصاح عن نية تركيا خلال الزيارة الأخيرة لرئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني إلى تركيا. لكن الموضوع يحتاج إلى الكثير من التأني لأن الطريقين يمران في مناطق التواجد الكوردي في كلٍ من العراق وسوريا. وإذا تم الاتفاق مع الطرفين الكورديين ربما تستفيد المنطقة أجمع، ولكن بالتأكيد ما تطمح له تركيا والعنصريون الشيعة الموالون لإيران هو إلغاء دستورية إقليم كوردستان واحتلال أقصى الشمال الشرقي من سوريا من قبل تركيا، والاحتمالان ليسا واردين في المنظور القريب بسبب التواجد الأمريكي في شرق الفرات وانعدام احتمالية تحول العراق إلى دولة مركزية تحكمها شيعة العراق وإيران، ولذلك سيبقى المشروع التركي في إطار التمنيات.
إن بقاء القوات الأمريكية في كوردستان الجنوبية والغربية بالدرجة الأولى كان لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وثانياً لقطع الطريق أمام إيران والصين لاستكمال طريق الحرير الجديد إلى البحر الأبيض المتوسط براً، وتحاول إيران بشتى الوسائل فتح معبر مع سوريا، ولكنها تصطدم بالوجود الأمريكي والهيمنة الجوية الإسرائيلية على سماء سوريا، وقامت بفتح معبر القائم في البوكمال، وهذا أيضاً ينعدم إمكانية استخدامه بشكلٍ آمن بسبب سيطرة داعش على صحراء سوريا بين دير الزور وتدمر، وقربها من القوات الأمريكية المتواجدة في قاعدتي التنف وحقل العمر النفطي وكذلك قربها من النفوذ الإسرائيلي. ولذلك تلتقي أهداف جميع دول منصة سوتشي، وهي إخراج القوات الأمريكية من سوريا، فبادرت إيران إلى دعم ميليشياتها في دير الزور بالصواريخ والطائرات المسيرة واستقدمت أمريكا الصواريخ وطائرات F22 الى شرق الفرات.
أدركت الولايات المتحدة الأمريكية أنه لا يمكنها مواجهة هذه المشاريع الحيوية بالطرق العسكرية فقط وإلا ستخسر حلفاءها الواحد تلو الآخر ما لم تنمّ مناطق تواجدها وما لم تساعد حلفاءها في الشرق، فبادرت هي الأخرى بطرح مشروع فتح طريق الحرير الأمريكي الذي يربط موانئ إسرائيل مع الإمارات العربية المتحدة مروراً بالأردن والمملكة العربية السعودية عن طريق سكة حديد، ويصل إلى الهند بحراً، وهو ما يتم مناقشته مع دول المنطقة، ولكنه أيضاً يصطدم بالكثير من العوائق التي يستوجب إزالتها وهي بالدرجة الأولى اعتراض كلٍ من الأردن والسعودية على التعامل الاقتصادي مع إسرائيل قبل التوصل إلى اتفاق شامل لحل القضية الفلسطينية.
طريق الحرير الأمريكي يعتبر من الطرق الحيوية الهامة، وتستفيد منه الكثير من الدول، ويعتبر خطوة تصحيحية للعلاقات الأمريكية والخليجية، والجولات المكوكية للمسؤولين الأمريكيين مستمرة إلى دول الخليج. هذه الطرق اليوم بمثابة إعلان الحرب الباردة بين الشرق والغرب من خلال تشابكها وتقاطعها، وربما تستفيد منها شعوب كثيرة في الشرق، وتؤدي حتى إلى تغيير خرائط المنطقة.